<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>The Angry Arab News Service &#187; Arabic</title>
	<atom:link href="http://angryarab.net/category/arabic-articles/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://angryarab.net</link>
	<description>A source on politics, war, the Middle East, Arabic poetry, and Art</description>
	<lastBuildDate>Thu, 29 Jul 2010 10:09:45 +0000</lastBuildDate>
	<generator>http://wordpress.org/?v=2.9.1</generator>
	<language>en</language>
	<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
			<item>
		<title>أنا وسطي انتخبوني بالله عليكم</title>
		<link>http://angryarab.net/2009/05/16/%d8%a3%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%b3%d8%b7%d9%8a-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a8%d9%88%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%83%d9%85/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2009/05/16/%d8%a3%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%b3%d8%b7%d9%8a-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a8%d9%88%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%83%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 16 May 2009 09:18:32 +0000</pubDate>
		<dc:creator>As'ad</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=35700</guid>
		<description><![CDATA[أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. انتخبوني يا محسنين ومحسنات. صَوتاً، أو صوتين، أو ثلاثة يا ناس، يا عالم. أنا وسطي متطرّف، والوسطيّة منهج ونبراس وعقيدة و&#8230; وسيلة انتخابيّة لتزوير التاريخ ولتبييض الصحائف وتنقية السير الذاتية. أنا وسطي ومستعدّ لأن أهزّ وسطي من أجلكم. أنا وسطي وأمشي وأرقص على حبل في وسطه. وأنا في [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. انتخبوني يا محسنين ومحسنات. صَوتاً، أو صوتين، أو ثلاثة يا ناس، يا عالم. أنا وسطي متطرّف، والوسطيّة منهج ونبراس وعقيدة و&#8230; وسيلة انتخابيّة لتزوير التاريخ ولتبييض الصحائف وتنقية السير الذاتية. أنا وسطي ومستعدّ لأن أهزّ وسطي من أجلكم. أنا وسطي وأمشي وأرقص على حبل في وسطه. وأنا في وسط الخلاف بين آل سعود، فلا أفضل أميراً منهم على أمير. أحبهم كلّهم وأبقى على مسافة وسطيّة بينهم</p>
<p style="text-align: right;">أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. انتخبوني يا محسنين ومحسنات. صحيح: أنا سخّرتُ صحيفتي من أجل الترويج للنظام السوري ورعاياه على امتداد سنوات، وصحيح أني كتبت مديحاً في إميل لحّود، وصحيح أني جلت وصلت على التلفزيون السوري دفاعاً عن النظام السوري قبل اغتيال الحريري وبعده، وصحيح أني كنت أجلس في الصف الأول عندما يدلي وزير إعلام سوري بدلوه، وصحيح أني أطلقت أقذع الاتهامات بحق فريق 14 آذار وبحق السعوديّة، وصحيح أني سخّرت صحيفتي للدفاع عن ميشال عون بعد عودته من المنفى، وصحيح أنني طالبت بعودة الجيش السوري إلى لبنان بعد رحيله، لكنني وسطي الآن. ولا أفهم هذا التهجّم على شخصي العظيم: فإذا كان لفارس سعيد الذي لم يُنتخب نائباً في فترة «الحريّة والسيادة» بل في حقبة الوصاية عينها (والذي وصف الناخبين الشيعة في جبيل بـ«الجيران») أصبح مُقارعاً عنيداً للوصاية السورية، فلماذا لا يحقّ لي أنا «العبد الفقير» أن أكون وسطياً؟ وإذا كان بطرس حرب، الذي كان وزيراً ونائباً وصديقاً لغازي كنعان ورستم غزالة من بعده، قد عاد أخيراً ليقول في خطبة إطلاق حملته الانتخابيّة إنه هو كان (أي من موقع النيابة والوزارة وصحبة «رستم») من الذين قُمعوا واضطُهدوا في حقبة الوصاية، أفلا يحقّ لي أن أكون اليوم وسطياً؟ إذا كان سامي الخطيب (الذي سبق عاصم قانصوه وفايز شكر وعبد الرحيم مراد في الولاء لآل الأسد) قد تحوّل إلى حريص على السيادة من قصره المنيف، أفلا يحقّ لي أنا الارتماء في الوسطيّة؟ لمَ لا؟ وأنا وسطي مع أنني كنت صديقاً لرستم غزالة إلى درجة أنني جمعته في غداء حميم مع رفيق الحريري من أجل تنقية الأجواء بين صديقيْن حميميْن. وصحيح أنني فاخرت بتحالفي مع سوريا وصداقتي مع رستم غزالة، لكنني&#8230; وسطي. وصحيح أنني اتهمت سعد الحريري وتيار المستقبل بالعلاقة مع إسرائيل وبالذيليّة مع السعوديّة، لكنني الآن الآن (وليس غداً) وسطي.<br />
وأنا يا جماهير تجرّعت الوسطيّة في زيارة أخيراً إلى المملكة العربيّة السعوديّة وفي لقاء وجيز مع الأمير بندر بن سلطان ـــــ والرجل، لمن لا يعرفه، وسطي حتى العظم. والوهابيّة، كما تبيّن لي في زيارتيْن إلى السعوديّة (مع أن الأمير بندر رفض أن يراني في الزيارة الثانية) وسطيّة، وابن باز نفسه كان وسطياً في الفقه والموعظة. وفجأة، رفع إعلام 14 آذار الحظر عني وبات يمتدح وسطيّتي مع أنه اتهمني بالتورّط في اغتيال الحريري واستُدعيت للتحقيق لساعات وساعات وتدخّل المتدخّلون في التنقيب في حسابي المصرفي، لكنني اليوم وسطي إلى درجة أني مستعدّ لأن أشهد ـــــ من باب الوسطيّة ـــــ أنني رأيت بشار الأسد يقود سيارة المتسوبيشي وبجانبه ميشال عون في 14 شباط 2005، وكان جبران باسيل يجلس في المقعد الخلفي. أنا مستعد لأن أدلي بشهادتي الوسطيّة اليوم، لو استدعوني من جديد إلى التحقيق. وأنا الذي كان يكتب المدائح في المقاومة صرت أكرّر لازمات 14 آذار عن ضرورة وضع قرار الحرب والسلم بيد أحمد فتفت وميشال معوّض وفريد حبيب لأنني وسطي (وكأن الدولة اللبنانيّة اتخذت مرة واحدة في تاريخها المُشين والمُهين والذليل إزاء إسرائيل قرار الحرب ضد أحد غير شعبها والشعب الفلسطيني ـــــ وتستنكف الدولة عن اتخاذ قرار الحرب حتى عندما تجتاح إسرائيل لبنان وتمعن فيه تدميراً وتقتيلاً).<br />
وأنا وسطي وكنت أفخر بالعلمانيّة. وكنت أبخّر للعماد عون وأخذت أفراداً من العائلة للقائه، وأنا أتهمه اليوم بـ«العهر» فقط لأنني وسطي، ولا علاقة لجلستي مع الأمير بندر بذلك. أنا وسطي عن اقتناع ومبدئيّة ـــــ صدّقوني يا محسنين ومحسنات. والإعلام السوري، تبيّن لي، تابعٌ للنظام السوري فقط عندما (ولأنه) هاجمني. أما عندما كان الإعلام السوري يمدحني ويروّج لي ويوزّع صحيفتي فكنت أظن أنه إعلام حرّ طليق. وأنا، إن كنتم لا تعلمون، وسطي عن حق وحقيق. وكنت أزهو بعلمانيّتي، أما اليوم: فأنا أتحدّث عن القديس شربل ولا يخلو تصريح أو إعلان انتخابي لي من الإشارة إلى سيدة حريصا&#8230; فقط لأنني وسطي ولأن السيّدة وسطيّة. وأنا كنت أزهو بعروبتي لكنني اليوم أذكّر الناس بأن جدّي كان يرتّل بالسريانيّة&#8230; لأنني وسطي.<br />
أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. انتخبوني يا محسنين ومحسنات. أنا بعثي قديم وكانت قيادة البعث تثق بي وتركن لآرائي. وكنت أحرّر في الجرائد البعثيّة في الستينيات. وأنا تعرّضت للقمع والسجن في العهود المتعاقبة في لبنان، وخصوصاً بعدما انحزت إلى الشق العراقي في حزب البعث. وزجّني سليمان فرنجيّة في سجونه، لكنني عدت وواظبت على زيارته في إهدن بعد إطلاق سراحي لأنني&#8230; وسطي (في البعثيّة وفي غيرها). وأنا، وإن كنت قد أيّدت صدام حسين في قيادة البعث عام 1968، عدتُ وتحوّلتُ إلى بعثي&#8230; وسطي بعدما تدخّل الجيش السوري في لبنان لحماية القوات اللبنانيّة التي لم تنكسر شوكتها إلا بعدما فعل «الرجل الخطير» فعلته ضد مشروع النازي اللبناني الصغير في أمسية صيفيّة. وأنا كنت عروبيّاً لكنني تحوّلت إلى مستشار لأمين الجميّل في عهده المشؤوم، وخصوصاً في مرحلة الإعداد لـ17 أيار لأنني وسطي. وكنت أحاول ترطيب الأجواء بين أمين الجميل والنظام في سوريا لأنني&#8230; وسطي. وبعد مرحلة الطائف أصبحت نائباً ووزيراً لقربي من النظام السوري وأجهزته العاملة في لبنان لأنني وسطي. وكنت قريباً جداً من رفيق الحريري أيضاً: أجتمع به أسبوعيّاً، كما كنت قريباً جداً من نبيه بري (أجتمع به أسبوعيّاً، هو أيضاً) لأنني وسطي. وأنا أحب حسن نصر الله حباً جماً كما أحب سعد الحريري حباً جماً لأنني وسطي. وكنت قريباً من رستم غزالة كما أصبحت قريباً من خصومه (بعد رحيله فقط، طبعاً) لأنني وسطي. وعندما كنت في فريق «عين التينة» ما فعلت ذلك إلا من باب الوسطيّة. أنا وسطي، أعلنها على سن الرمح ولا يضيرني اقترابي من 8 و14 آذار لأنني وسطي. وأنا أشهد على فذوذية سعد الحريري وعبقريته لأنني أنتشي بالوسطيّة. وكلّما كبرت طموحاتي الانتخابيّة (وخصوصاً الرئاسيّة) ازداد إعجابي بالشيخ سعد، وتوجهت بالنداء صوب قريطم.<br />
أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. انتخبوني يا محسنين ومحسنات. كنت عرّاباً لمرحلتيْن متناقضتين في تاريخ لبنان، وهذا دليل على انتهاجي الوسطيّة. كنت عرّاباً سياسيّاً وماليّاً لتنصيب النازي اللبناني الصغير رئيساً للجمهوريّة الإسرائيليّة في لبنان، لكنني تغيّرت بعد فشل المشروع النازي ـــــ الإسرائيلي في لبنان كما أنني اكتشفت شدّة سعادة عبد الحليم خدّام وغيره في سلطة القرار في النظام السوري بالنفيس من الهدايا والعطايا فاكتشفت في ليلة فيها ضوء قمر خافت أنني ـــــ يا لفخري وفخر من يحملني على أكتافه في كلّ حملة انتخابيّة ـــــ وسطي، إيه والله. والوسطيّة في مسلكي السياسي كانت تعود عليّ بالفوائد الجمّة. فهي التي واظبت على الإتيان بي وزيراً مرموقاً في حكومات عهد الوصاية: حتى في حكومة سليم الحص التي أتت تحت شعار محاربة الفساد في عهد لحّود أصرّت سلطة الوصاية على توزيري رغم امتعاض سليم الحص لأنني&#8230; وسطي. وعندما أردتُ، إسعاداً لشرف العائلة، أن آتي بابني البكر وزيراً مرموقاً مطيعاً (لأوامر الاستخبارات السوريّة في لبنان) تجاوبت سلطة الوصاية السورية معي ومع ابني لأنني وسطي، كما هو وسطي ـــــ مع أنه اختلق لنفسه بطولات وهميّة بعد خروج الجيش السوري من لبنان لأنه وسطي. وابني البكر كان يقاوم شرّ عبدة الشيطان من موقعه في وزارة الداخليّة لأنه من عبدة الوسطيّة.<br />
رستم غزالة (أرشيف)وأنا وسطي لأن الوسطيّة تخدمني في الإقليم الانتخابي. ووسطيّتي ساعدتني في «البزنس» وفي السياسة، وهي التي خوّلتني التعايش مع كل الحقبات المتعاقبة في لبنان. وابني البكر أجاد في خدمة النظام السوري في وزارات كان رستم غزالة يصرّ على إيكالها إليه، وإن كان هو نفسه اليوم بات يُعتبرُ ضماناً للحفاظ على المصالح الأميركيّة والحريريّة. وهو الذي كان يؤيّد المقاومة أثناء حرب تموز وبعدها عاد أخيراً من زيارة الى واشنطن مصمّماً على رفضه لسلاح غير سلاح الجيش: وهذا الإلهام الفجائي هو أيضاً وسطي. وصداقتي مع عبد الحليم خدّام وغازي كنعان ورستم غزالة والسفير الأميركي بعد 2005 هي دليل على الوسطيّة أيضاً. أما ما يقوله الطبيب اللبناني الذي كان يعاين رستم غزالة من أنه كان يتلذّذ بتركي منتظراً بحرقة على قارعة الطريق في الرملة البيضاء فيما رستم يتناول ترويقته على مهل قبل أن يستدعيني للصعود، فهذا يدخل أيضاً في باب الدعاية الوسطيّة المعادية لي. وعندما غيّر ابني البكر اتهامه في محاولة اغتياله من تحميل أصوليّين في عين جيفري فيلتمان (أرشيف)الحلوة المسؤوليّة (وسرّب وثيقة في هذا الصدد لذلك الصحافي في نشرة المستقبل السلفي الذي كان يقول إن مجرّد إلقاء خطاب لبشار الأسد يفتح «كوّة» في جدار العدو الإسرائيلي) إلى إلقاء اللوم على رستم غزالة، مع أن الأخير كان يصرّ على توزيره في مواقع أمنيّة حساسة لتمرّسه هو ووالده في تلبية الأوامر الشامية، فعل ذلك خدمة للفكر الوسطي الذي ننهل منه.<br />
أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. انتخبوني يا محسنين ومحسنات. أنا ثري من أثرياء لبنان، والثروة مفتاح أكيد لدخول الحلبة السياسية في مسخ الوطن هذا ـــــ انظروا إلى محمد الصفدي الذي كان يسأل مدير حملته الانتخابيّة الأولى عن «اتفاق 17 أيار» لأن الصحافة كانت تسأله عنه وكان لم يسمع به من قبل. وأنا دخلت في العمل السياسي بسبب شقيقي الذي تربطه بالنظام السوري علاقات سياسيّة وماليّة وثيقة، وهو اختارني لأمثّل العائلة وسطيّاً، وفي وسط الحلبة السياسيّة. وأنا كنت من أقرب المُقرّبين إلى أولياء الاستخبارات السوريّة في لبنان الذين وزّروني لحسن سلوكي وثبات طاعتي وصدق ولائي، لكنني تحوّلت إلى وسطي منذ نفّذت أوامر مبعوث الصهيونيّة العالميّة في الأمم المتحدة، تيري رود لارسن، عندما أراد التعجيل في الانتخابات عام 2005 للاستفادة من الدماء والدموع. هذا الانصياع حاز إعجاب اللجنة الفاحصة في واشنطن والرياض، وأنا أتوافق مع الرياض في الترويج للإسلام الوسطي على مذهب بن باز. و«العزم» وسطي.<br />
وأنا كنت نائباً ووزيراً في حقبة الوصاية ولم يسمع بي أحد قبل حقبة الوصاية لكن شقيقي ـــــ رأس العائلة ـــــ أقام وشائج محبّة مع النظام السوري، ممّا حتم دخولي إلى مجلس النواب ومجلس الوزراء في عهد رستم غزالة الذي كان يبادلني الحب والإعجاب كما بادل ذلك الوسطي العرّاب وابنه البكر. وقد استفدت أكثر من غيري ـــــ أو مثل غيري من أثرياء مرحلة الوصاية ـــــ في تلك الحقبة وتنعّمت بامتيازات ومناصب لم أكن أحلم بها، لأنّي أشكو ـــــ وأرجو ألا يغضب شقيقي هنا ـــــ من انعدام فظيع للسحر الجماهيري والكيمياء الشعبيّة. أما انتقالي من عين التينة إلى التحالف مع سلالة 14 آذار فإنما كان خدمة للتيّار الوسطي الذي أتزعمه، لا لثروتي وإنفاقي بل لإطلالاتي التلفزيونيّة التي تدفع المشاهدين (والمشاهدات) إلى نوم مبكر ـــــ والنوم سلطان.<br />
أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. لا تفهموني «غلط». كنتُ أشارك بحماسة في الانتخابات في لبنان عندما كان المسيحيّون في أكثرهم يقاطعونها، ونلت لهذا جوائز ترضية من النظام السوري ووصلت إلى الوزارة في حكومة تشكلت، مثل حكومات رفيق الحريري في عنجر. لكني ارتأيت في هذه الانتخابات أن أترشّح في كسروان وسطيّاً، إيه والله. وما العيب في ذلك؟ لست وحدي في مذهب الوسطيّة. انتخبوني ـــــ دخيل الله.<br />
نحن «جماعة» وسطيّة. والله، بالله، تالله نحن&#8230; على شفير الوسطيّة. نحن شاركنا في الهمروجة الطائفيّة في ساحة الجنون الطائفي والمذهبي، لكن المفاوضات الجارية مع شيخ السلالة الحاكمة بشأن مقعد نيابي إضافي لنا قد تدفعنا نحو الوسطيّة. نحن كنا شركاء في 14 آذار مع غيرنا، وخصوصاً مع القوات اللبنانيّة التي أمعنت قتلاً طائفيّاً على الهويّة ومع حزب الكتائب الذي كان يحرق شاحنات محمّلة بالمصاحف على مفرق الكحّالة ومع تلك السيّدة التي كانت تعدّ الأطباق لأرييل شارون، وإن كنا فرعاً للإخوان المسلمين التي تدعو إلى الجهاد ضد إسرائيل وتدعو الى التصدّي للمشروع الأميركي الذي أصبحنا ـــــ يا للظرف ـــــ جزءاً منه دون أن يلاحظ أحدٌ ذلك. السلالة الحاكمة وضعتنا في جيبها لسنوات بسبب كرم شيخ العائلة، وكنا نزمع التحالف مع 14 آذار، لكن شحّ المقاعد قد يدفعنا لولوج الوسطيّة، وعندها ـــــ وهذا برسم حاشية قريطم ـــــ وعندها فقط، سنعلن الجهاد ضد إسرائيل وسنتذكّر التاريخ الشنيع لسمير جعجع. ولكن، لو حصلنا على مقعد نيابي إضافي، فسننسى الوسطيّة وسنغفر لجعجع وسننسى احتلال إسرائيل كما نسيناه على امتداد الأعوام الماضية ـــــ بأمر عال من قريطم. أي إننا ذوو وسطيّة مشروطة.<br />
أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. أيّدوني يا محسنين ومحسنات. لم أكن معروفاً بينكم، ولم تكونوا قد سمعتم بي. ولو قابلتموني في الشارع لما تعرّفتم عليّ قبل عهد إميل لحود، الذي أتى بي إلى الوزارة. وسرت وراء إميل لحّود من دون سؤال أو تردّد، ولكن بعد اغتيال الحريري وبعد رحيل الجيش السوري عن لبنان، وبعد فقدان شعبيّة لحود عند المسيحيّين والسنّة، تحوّلت إلى وسطي وزعمتُ أني أتيت إلى الوزارة بـ&#8230; إرادة الشعب. إيه والله، تالله. إرادة الشعب. وهل هناك غير إرادة الشعب وزعماء الطوائف ورستم غزالة والأمير مقرن ممن يعيّن الوزراء في مسخ الوطن هذا؟ أبداً. إنها إرادة الشعب، لا غيرها. وإرادة الشعب قابلة للتزوير والتطويع ـــــ وهنا جمالها الكامن. إرادة الشعب أتت بسمير الجسر وزيراً للعدل في سلطة الوصاية وتستطيع الإرادة نفسها أن تأتي به وزيراً في سلطة مقارعة سوريا. يحيا الشعب.<br />
أنا وسطي. والله، بالله، تالله أنا وسطي. إقبلوني يا محسنين ومحسنات. أنا إعلامي في محطة القوات اللبنانيّة المنشقّة التي لم تخفِ يوماً انحيازها الطائفي والسياسي عن مشاهديها، لكنني أطلّ اليوم عليكم من تلفزيون يدّعي الوسطيّة. وأنا أريدكم أن تصدّقوا أنني وسطي مع أنكم تذكرونني محاوراً سياسيّاً في محطة القوات المنشقّة، كما أنكم تذكرونني عريفاً في مناسبات 14 آذار، ولكن حاولوا أن تصدّقوا أنني وسطي. وأنا طبعاً كنت أعبّر عن انحياز فاضح وصارخ في كل محاوراتي التلفزيونيّة، لكنني أريدكم أن تقبلوني وسطياً، وإن كنت غير مرشح للانتخابات ـــــ ليس في هذه المرّة على الأقلّ. وأنا في تعاطفي مع القوات اللبنانيّة أرى نفسي وسطيّاً.<br />
أنا ـــــ الحق أقول لكم ـــــ لست وسطيّاً. أنا كنت عنيداً في التحالف مع الاستخبارات السوريّة في لبنان عبر السنوات، وقلت كلاماً فصيحاً في مديح حافظ الأسد وابنه من بعده، كما تحوّلت إلى فقيه قانوني ـــــ غب الطلب ـــــ في فريق السلالة الحاكمة. لكن انا أتحدّث عن نفسي هنا. وأنا لا أتحدّث بالنيابة عن غيري. أنا كسّارة غزيرة الإنتاج، وأريد من الرأي العام في لبنان أن يتقبّلني وسطيّاً غير منتمٍ إلى أي من الفريقيْن. والكسّارة الوسطيّة تعود بالخير على كل لبنان، وصوتها مثل خرير المياه في جارة الوادي. والكسّارة رمز وسطي لأنها تتعايش مع الفريقيْن المتصارعيْن.<br />
وأنا الدكتور رستم غزالة، والله، بالله، تالله أنا وسطي أيضاً. صحيح أنني كنت رمزاً للوصاية لكني أقمت علاقات مع الجميع، وقد تناول فرقاء عديدون من الطرفيْن الطعام إلى مائدتي، وهناك من احتسى قهوة أو خمراً معي، وهذا يثبت بالقاطع أنني وسطي. ولو عدتم إلى الصحف عندما عُينت خلفاً لغازي كنعان ـــــ هل تذكرون ذلك الاحتفال العرمرمي لرفيق الحريري في السرايا الحكومية؟ ـــــ لقرأتم أن الجميع في لبنان ممن هم في الفريقيْن المتنازعيْن اليوم زارني وهنأني على منصبي الجديد لأنني وسطي. إنه زمان الوسطيّة يا محسنين ومحسنات، ومن الواضح أن كل الذين يدّعون الوسطيّة في لبنان هم من أصدقائي السابقين الخلّص.<br />
أنا جيفري فلتمان. والله، بالله، تالله، والله أنا وسطي. صحيح أنني كنت لصيقاً بـ14 آذار، وصحيح أنني كنت بوقاً صادحاً لإدارة بوش والفريق البوشي في صعوده، لكنني عندما لاحظت أن إدارة بوش تحتضر، وخصوصاً في الانتخابات النيابيّة في أميركا عام 2006، عدت وعبّدت طريقي للعودة إلى السلطة وقلت لمن لم يسألْني إنني ديموقراطي، ولم أكن يوماً جمهورياً. وعندما عدت إلى واشنطن بنيت علاقات وثيقة مع مارتن إنديك لعلمي أنه وثيق الصلة بالحزب الديموقراطي والزوجيْن كلينتون. وأنا الذي كان ينظّر لضرورة معاقبة النظام السوري ومقاطعته وعزله شاركت شخصيّاً في فك العزلة عنه. لماذا؟ لأنني وسطي.<br />
الوسطيّة كما يروي ابن منظور في «لسان العرب» هو: اسم لمنهج معروف في الانتهازيّة والتقلّب والحربائيّة والتذبذب في السياسة والحقل العام. الوسطيّة هي في دعم مقاومة إسرائيل، وفي مقاومة المقاومة متى تدعو الحاجة. الوسطيّة هي في الانتقال من ضفة إلى أخرى بخفة ورشاقة وسعة الحقيبة. (وابن منظور نفسه كان وسطيّاً، وقد خاض معركة انتخابيّة قاسية في المتن على لائحة وسطيّة صرفة).<br />
ملاحظة: ارتأت «الأخبار» أن تبدل كلمة «فقيد» بكلمة «شهيد» في عنوان مقالة هذا الكاتب في الأسبوع الماضي ونصّه، من دون علمه أو موافقته أو رضاه، مما أثار امتعاضه الشديد. فاقتضى التوضيح.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2009/05/16/%d8%a3%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%b3%d8%b7%d9%8a-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a8%d9%88%d9%86%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%83%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ابن الشهيد : خوض الانتخابات بالدم والدموع</title>
		<link>http://angryarab.net/2009/05/09/%d8%a7%d8%a8%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%87%d9%8a%d8%af-%d8%ae%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2009/05/09/%d8%a7%d8%a8%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%87%d9%8a%d8%af-%d8%ae%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 09 May 2009 15:46:52 +0000</pubDate>
		<dc:creator>As'ad</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=35584</guid>
		<description><![CDATA[يطلّ الموسم الانتخابي، وترتفع معه أصوات المرشّحين وصراخ المهرجانات، في غياب أيّ محاسبة سياسيّة عن الفترة السابقة، وخصوصاً لمن كان في الحكم. وفي الوقت نفسه، تحضر لغة سياسية تساوي الخصوم بالقتلة، والبرامج الانتخابيّة بالتحريض الطائفي
أسعد أبو خليل*
من حقّ الشعب اللبناني أن يحاسبَ ساستَه، لكن الطائفيّة تمنع المحاسبة أو تعوقها. وعندما ألقى أحمد فتفت بملف ثكنة [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">يطلّ الموسم الانتخابي، وترتفع معه أصوات المرشّحين وصراخ المهرجانات، في غياب أيّ محاسبة سياسيّة عن الفترة السابقة، وخصوصاً لمن كان في الحكم. وفي الوقت نفسه، تحضر لغة سياسية تساوي الخصوم بالقتلة، والبرامج الانتخابيّة بالتحريض الطائفي</p>
<p style="text-align: right;">أسعد أبو خليل*<br />
من حقّ الشعب اللبناني أن يحاسبَ ساستَه، لكن الطائفيّة تمنع المحاسبة أو تعوقها. وعندما ألقى أحمد فتفت بملف ثكنة مرجعيون المخزي في حضن نبيه برّي كان يقول له: لنرَ إذا كان شيعي يستطيع أن يحاسب سنياً في مسخ الوطن. وكان مُحقّاً في حساباته طبعاً، لأن برّي نام على الملف نومة أهل الكهف. ولو لم يلجأ فؤاد السنيورة إلى مذهبيّة الزرقاوي والقاعدة في المصلى الخاص به في السرايا الحكومية لكان عرضة للمحاسبة، ليس فقط على دوره المُتخاذل ـــــ في أقلّ تقدير ـــــ أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، بل لدوره في رسم سياسات اقتصاديّة عادت على لبنان بديون وكوارث وإفقار وفساد على مستوى المؤسّسات. (ولماذا لم نسمع بتقوى السنيورة وورعه قبل محاصرته في السرايا؟ لعلّها الصدفة). وزمان الانتخابات ـــــ أو زمان الطائفيّة كما سمّاها زياد الرحباني ـــــ هو زمان المُحاسبة، نظريّاً على الأقل. لكن لماذا تغيب المُحاسبة عن «زعيم» أكبر كتلة برلمانيّة؟ لماذا لا نرى في الإعلام اللبناني ولا بوادر مُحاسبة لهذا الرجل؟ لماذا لم يُدعَ لكشف حساب انتخابي أو سياسي؟ ولماذا تمحو الثروات الآثام والخطايا؟ طبعاً، لو كان الإعلام في لبنان متحرّراً من النفط والثروة لجرت محاسبة إعلاميّة.<br />
من سوء طالع الأثرياء، أن الثروات والذهب والمعادن تُورّث، لكن المواهب والمعرفة والذكاء لا تُورّث. تستطيع أن تورثَ صينيّة من ذهب، ولكن لا تستطيع أن تورثَ دهاءً وحنكة. وابن الشهيد وُلد لأب ثري وطموح عرف كيف يستفيد ماليّاً وسياسيّاً من قربه من الملك فهد بن عبد العزيز في عزّ صعوده وفي عز صعود الحقبة السعوديّة الأولى والثانية. وترعرع الابن في كنف ثروة وحاشية وفي ظل جاه يتأتّى من المال، وهي ظاهرة عالميّة في المجتمعات الرأسماليّة. يُقال إن الابن قضى فترة في صيدا، لكن لا بوادر لمعرفته بصيدا أو حتى بلبنان. ويحصل الأثرياء على الشهادات بسهولة، والواسطة ليست ظاهرة محض عربيّة. يستطيع الأثرياء أي «يُقبَلوا» في الجامعات الأميركيّة أو البريطانيّة الخاصة مقابل تبرّع سخي من أي ثري نفطي أو حربي. وجامعة «إكستر» البريطانيّة تخصّصت في جذب أموال النفط العربي وفي إسباغ شهادات الامتنان، ذات اليمين وذات الخليج.<br />
هناك صديقة عربيّة زاملت ابن الشهيد في جامعة جورجتاون. كان الطلاب يتساءلون في ما بينهم (وبينهن) عن ظروف قبول الصبي الثري في الجامعة. تتذكر أنه كان مفتوناً بدرّاجته الناريّة التي يتأمّلها من نافذة القاعة. يلهو بمفتاحها أثناء الصف الدراسي، ويتألّم لفراقها. كان ينظر إلى هذه الدراجة كما ينظر العاشق إلى المحبوبة ويداعبها. كان الطلاب يذكرونه بعيداً جداً عن أجواء الدراسة والمعرفة وإن كان مُحبّاً للحياة ـــــ الحق يُقال. وهناك زميل أستاذ في الجامعة المذكورة يذكر أنه انتحى به جانباً ذات يوم طالباً منه سماع صوته في الصف، ولو نادراً. كأنك غير موجود، قال له. لكن الأثرياء يتخرّجون ولو بشقّ النفس: هناك طلاب عرب من المحتاجين يتخصّصون في كتابة فروض الطلاب العرب الأثرياء في الغربة. أذكر صديقاً لبنانيّاً ـــــ وهو موسيقي موهوب ـــــ كان يطلق لحيته يوماً ويطلق شواربه يوماً آخر ليتشابه مع صور طلاب خليجيّين أثرياء كان يُمتحن تزويراً بالنيابة عنهم، معتمداً على بطاقاتهم الجامعيّة.<br />
عاد ابن الشهيد إلى البلاد وتسلّم أعمالاً من والده لا لنبوغ فيه بل لأن الأغنياء لا يؤمّنون إلا لأبناهم. أذكر أنني سألت مستشاراً قريباً من الشهيد يوماً عن صحة ما قيل له إن الابن البكر وشقيقه «الزعيم» اليوم كانا يسخران في قصرهما من نضال الشعب الفلسطيني ويتذمّران أمام الحاشية من عدم استسلام الشعب الفلسطيني للعدو الإسرائيلي. أذكر أن المستشار ـــــ وهو مثل غيره باق ـــــ قال لي يومها: أجل، تستطيع أن تعتبر أنهما أميركيّا الهوى السياسي.<br />
اختفى صبي العائلة الثريّة في أعمال في السعودية، واستفاد من عقود مع أهل الاحتلال في العراق، وكان يغوص في جلسات «بزنس» مع أياد علاوي (ودمية الاحتلال الأميركي هذا ـــــ صديق نبيه برّي وغيره من الساسة في لبنان ـــــ ربطته مجلة «النيويوركر» بسيارات مفخخة في العراق أدت إلى مقتل أطفال، كما أنه تنقل في التحالف مع أجهزة استخبارات متعدّدة، وهو يريد لنا أن ننسى أفعاله في أوروبا قبل أن يكتشف حب الديموقراطية ويختلف مع نظام صدام حسين ـــــ لا ندري على ماذا) في قصر قريطم.<br />
لم يسمع الناس بالفتى إلى أن اغتيل والده. وكان الابن البكر يريد أن يخلف الوالد على طريقة العشائر والطوائف في بلادنا، لكن العائلة المالكة كلّفت الأمير سلمان ـــــ الباحث عن المُلك ـــــ تقرير شأن العائلة اللبنانيّة ـــــ السعودية. قرّرت العائلة السعودية، بعد طول تفكير وتمحيص، أن البكر غير مؤهّل بسبب تسرّعه وقلّة صبره. وقع الاختيار وعاد ابن الشهيد إلى بيروت وصار زعيماً للعائلة والطائفة بين ليلة وضحاها.<br />
كان واضحاً أن ابن الثري لا يتمتّع بمؤهلات أو مواهب أو خبرات أو علم أو معرفة. لكن المال في مسخ الوطن يعوّض عن كل شيء. يكفي أن ترى محمد الصفدي أو غيره من الأثرياء في مجلس النواب. هذا مسخ وطن يضعف بنوه أمام أصحاب الثروات. اشتكت عائلات بيروتيّة من أن كلام الابن ذا اللهجة الخليجيّة غير مفهوم منهم. جيء ببيروتي عتيق ليلقّنه أصول اللهجة البيروتيّة التي سرّه تقليدها. وكُلّف مستشار والده المثقّف تلقينه أصول اللغة العربيّة، لكنه كان يتهرّب من تلك الدروس ويتذمّر عندما يصرّ المستشار على مساعدته في قراءة نصوص قرآنيّة أو نصوص للجاحظ. طلب قراءة نصوص معاصرة، لكن الدروس اضمحلّت لأن التلميذ الذي لم ينمَّ يوماً عن نجابة، انشغل بهموم الزعامة و&#8230;السفر والترحال والاستجمام، إلى أن طلب منه مستشارون في الإدارة الأميركيّة العودة إلى الوطن بين وقت وآخر. وكانت المهمة الأولى هي التي كلّفه إياها تيري رود ـــ لارسن»، المُكلّف أميركيّاً ـــــ إسرائيليّاً شأن لبنان منذ أعوام. كان على الابن أن يساهم في الفوز الانتخابي مهما كان. كان والده يتمتّع بالمال الوفير، إضافة الى حنكة ودعم خارجي ـــــ سعودي وسوري في آن واحد. اكشتف الابن أن الدعم الأميركي ـــــ السعودي معطاء وغير محدود ما دام ملتزماً شروط المخطط الأميركي ـــــ الإسرائيلي ـــــ السعودي وشعاراته وأهدافه. وكان الرجل سريع الزلّات، لكن الإعلام العربي سعودي وحريري في معظمه، كما أنه استفاد من السذاجة السياسيّة الشهيرة التي تعتري سياسات حزب الله نحو الخصوم اللبنانيّين والعرب. وقد كان الابن صريحاً جداً في أول تصريح له بعد أيام من اغتيال أبيه: قال لجريدة «الواشنطن بوست» إنه سينزع سلاح حزب الله. استأسد الحبّوب عندما طلب منه ديك تشيني المجيء إلى أميركا لتلقّي تعزية رسمية أميركيّة، مع أن والده تعرّض لإذلال شهير من بوش عندما طلب منه الأول دعماً لـ«باريس واحد». أدرجت نشرة عائلته ترجمة للمقابلة من دون الجملة تلك، ولم يلاحظ حزب الله ما حدث، أو أنه لم يكترث. التحالف الرباعي كان سائداً آنذاك. ظن صغير العائلة أنه يستطيع أن يتذاكى بلغتين، على طريقة ملوك بني هاشم في الأردن عندما يناصرون فلسطين بالعربية ويناصرون الصهيونيّة بالإنكليزيّة.<br />
وتسنّى للشعب اللبناني أن يشاهد أداء ابن الشهيد على امتداد أربع سنوات. دشّن إطلالاته على المسرح السياسي عبر مهرجان طائفي ومذهبي في طرابلس عام 2005. تجاوز محظورات في السياسة اللبنانيّة. تخطّى حدود المكبوت والمضمر وجاهر بحملة انتخابيّة فاقعة في تحريضها المذهبي والعنصري. لجأ إلى كل الوسائل التحريضيّة. استعمل الدم بصورة تقزّز حتى الذين تفجّعوا لمشهد التفجير في بيروت. لاحظ بعض رفاق والده النبرة المتدنّية في خطابه السياسي المكتوب له ـــــ لا طاقة له على كتابة جملة فصيحة واحدة، متذرّعاً بأن لغته الأم هي الإنكليزيّة، مع أن فصاحته في هذه اللغة لا تتميّز عن مقدرته في العربيّة. لعله يبدع بالألمانيّة من دون أن ندري. أشار بعض رفاق والده عليه بذكر جمال عبد الناصر في بعض خطبه. ذُهل صبي العائلة. وما علاقة جمال عبد الناصر بالحملة الانتخابيّة في الشمال؟ قال لهم. كان عبد الناصر عزيزاً على والدك، قالوا له. أضاف ذكر عبد الناصر على مضض. لم يرتدع في ما يُكتب له من خطابات: تراه وكأنه يستمتع أكثر بالخطاب إذا كان ينضح بالمذهبيّة والاستغلال الضعيف لاغتيال والده، الذي ترك إرثاً مدمّراً وراءه، في لبنان وخارج لبنان، إذ إنه كان متحالفاً مع أسوأ الزمر الحاكمة في لبنان وفلسطين وسوريا وفي العراق المُحتلّ. لم يحد لحظة عما يشير به عليه الأمير مقرن: وعندما بدا أنه حاد مرّة، اعتذر من المملكة عن خطأ غير مقصود.<br />
تنظر في السنوات الأربع الماضية وتجهد لتعثر على أثر أو وقع له. مرّ مثل غمامة صيف. بدر ونّوس وقاسم هاشم تركا آثاراً أكبر من آثار الفتى العابر. مقابلاته التلفزيونية مثل علك الهواء: لا تترك أي تأثير، وهناك من يقول إن مفعولها على المشاهدين والمشاهدات مثل الحبوب المنوّمة، رغم تلقين هاني حمّود. ترى بعض الفتية في العمل السياسي يظهرون تقدّماً ونضجاً واختماراً، أما هو فلم يتقدّم خطوة واحدة. إنه كما كان قبل أربع سنوات، ولعلّه كما كان قبل عشر سنين، أو أكثر. جال في كلّ أنحاء الكرة الأرضية بطائرته الخاصة محاطاً بفريق لا يقدّم في زعامته ولا يؤخّر. عقاب صقر وباسم السبع وبيار الجميل ومحمد سلام هم جزء من فريق عمله، على ما نقرأ. وقرأنا وسمعنا أنه كان يتحادث هاتفياً لساعات مع بيار الجميل حتى لحظة اغتيال الأخير. ليت نص المكالمات تلك حُفظ في متحف للفلسفة العربيّة والإسلامية.<br />
في حملته الانتخابيّة الأولى بدأ بممارسة عادة يبدو أنه يفضّلها على أسلوب النقاش والمناظرة السياسيّة. كل من يعارضه وكل من عارض والده ينتمي إلى فريق القتلة والمجرمين. وكل من يقترع للائحته «زي ما هي» ـــــ وعندما يقولها يظن هو كما ظن أبوه أنه ظريف ولذيذ الطعم ـــــ هو مُحب للسلم والخير. إنه التكفير على طريقة العائلة الحاكمة.<br />
لم يبد عاجزاً أو متواطئاً كما بدا في عدوان إسرائيل على لبنان. كعادته، ماشى المملكة الوهابيّة. بدأ باللوم وانتهى بادعاء الوطنيّة ومعاداة إسرائيل. جال حائراً بين العواصم ولم يجد أبواباً مفتوحة، فذهب إلى قبرص طالباً من الرئيس القبرصي (وله من النفوذ في العلاقات الدوليّة ما لرئيس وزراء مكرونيزيا) مساعدته في طلب وقف لإطلاق النار، كما عنونت نشرة «المستقبل» السلفي ذات صبحيّة. حاول في تجواله بطائرته الخاصة أن يبدو كمن يعتمد الدبلوماسيّة المكّوكيّة.<br />
يأتي موفدون أجانب راغبين بناءً على أوامر أميركيّة بدعم فريق السلالة الحاكمة (التابعة لسلالة حاكمة خارج لبنان) ويلتقونه في قريطم. يضع صورة لوالده على كرسي قربه فيما يجتمع بالموفدين. وهذا بعد سنوات من الاغتيال. من أشار عليه بذلك؟ هل يدري كم يبدو طفلاً؟ يريد أن يروه حزيناً على والده بعد سنوات من الاغتيال؟ هل يظن أنه ابن العاشرة وأن الوفود الأجنبيّة ستعطف على الفتى المدلّل؟ هل يظن أنه يستدرّ دموعاً من الرجل الأبيض؟ هل هناك من حذّره حرصاً على صورته أنه يبدو مضحكاً لا حزيناً وهو جالس بجانب صورة لوالده على كرسي محاذ؟ من يُخرج له مشاهد حزنه؟ هل تدخل شركات إيلي خوري في الموضوع أيضاً؟ أم أن الإخراج الفني يعود إلى الذوق السعودي الوهابي المُشرف؟<br />
وعندما يُسأل وليد جنبلاط عنه يقول إنه «نضج» وأنه أكثر «خبرة» مما كان. لكن جنبلاط لم يعترف يوماً، ولا حتى في أول عهد الفتى بالسياسة، بأنه كان عديم العلم والخبرة. وأين بوادر النضج والخبرة المستحدثة؟ لكن الفتى يجد لذّته الوحيدة في ليالي التحريض المذهبي في رمضان. هنا، يأخذ مجده ويجود بخطاب مستقى من خطاب بن لادن أو خالد ضاهر. صدق جنبلاط عندما قال إن هاني حمّود هو صانع القرار. وهناك من قال إن مستشار ديك تشيني، جون حنا، كان يدير العائلة في الليالي الحوالك. من الأكيد أنه الأقل تأثيراً في حاشيته في عمليّة صنع القرار. وهو يرحل إلى السعودية قبل اتخاذ القرار دون أن يستر الرابط المُهين، فيما يصدح بشعارات السيادة والاستقلال.<br />
ماذا تقول عن رجل لم يجد، رغم الثروات والدعم الخارجي النفطي والامبراطوري، إلا التفجّع واستعطاف الناس واستجداء عزائهم؟ ماذا تقول عن رجل لم يبدر عنه ما يشير إلى تثقيف أو تراكم خبرة أو تبلور دراية؟ ماذا تقول عن رجل لم يجد إلا ابن عمته لتقديم المشورة له؟ ماذا تقول عن رجل لم يجد غضاضة في الانضمام إلى حاشية الأمير مقرن في زيارة للأخير إلى باكستان للتوسّط من أجل رجل السعودية نواز شريف؟ ظن ابن الشهيد أن اصطحاب رئيس الاستخبارات السعودية يزيد من مصداقيّته ومن أهليّته. ماذا تقول في رجل ترهّلت الزعامة على كتفيه بعد أربع سنوات من أحداث جسام؟<br />
ويصعد الفتى إلى المنبر ويباشر العويل والنحيب. من يقول له إن أطفالاً في غزة فقدوا آباءهم وأمهاتهم وهم يدبّون على أربع؟ هؤلاء لم يترك لهم أهلهم ثروات وطائرات ويخوتاً. مات أهل هؤلاء دون أي يرِثوا زعامات وقصوراً. من يذكّر الفتى بأن مصابه ليس أعظم من مصاب الآلاف من شعبنا الذين يفقدون أعزّاءهم يوميّاً ويبقون بلا معيل؟ نحتاج أن نصارح الفتى لنسأله: إلى متى تظل خطبك (المكتوبة لك بتحريك تفصيلي) تعجّ بلغة الدم والثأر؟ هل يأتي يوم تعلن فيه انتهاء فترة الحداد التي لا تنتهي، أم أن الأمر منوط بطموحات العائلة السياسية التي منذ قدمت إلى لبنان على أجنحة آل سعود لم تحمّلنا إلا الديون والدموع ومجالس العزاء، بالإضافة إلى توريط لبنان في مؤامرات تبدأ في واشنطن وتمرّ في تل أبيب وتنتهي في الرياض على مكتب الأمير مقرن؟ لو كان هناك آجال لمجالس العزاء لانتظرناها لتنتهي، لكنه ها هو يعود بعد أربع سنوات ليطلّ علينا بالخطاب نفسه وبالانحدار الانتخابي نفسه، يساوي منافسيه بالقتلة ويلجأ إلى التحدّث عن الدم والقبور والويل والثبور. إذا كان يظن أنه يفرض فيلم رعب على اللبنانيّين فليعلم أن الفيلم يدخل في نوع المهازل لا<br />
الدراما.<br />
يحلم الفتى اليوم برئاسة الحكومة. يحاول أن يقنع الأمير مقرن بصلاحيته وقدرته على تنفيذ الأوامر. لكن السنيورة أثبت جدارة ونال إعجاب اللجنة الفاحصة في واشنطن (في عهد بوش) والرياض وفي عدد من عواصم&#8230; المنطقة المعنيّة بالشأن اللبناني. لكن الفتى يبدو ضعيفاً جداً، وهو مُحاط دائماً وفي كل لحظة برهط من المساعدين والمستشارين والمدلّكين والكتبة الذين يغيّرون العقائد مقابل مبلغ زهيد. وهناك فئة من المثقفين تسعى إلى التقرّب مقابل تغطية نفقات الاستشفاء والطبابة. ومستشارو الفتى لا يتركونه وحيداً مخافة الإحراج أو الفضيحة.<br />
والفتى ـــــ مثله مثل أبناء الأثرياء ـــــ لا يواجه حقائق نواقصه وعلّاته. يقرأ عن نفسه في صحيفة مموّلة منه شخصيّاً. والبكّاؤون المحترفون في نشرته ـــــ وجلّهم من اليساريّين السابقين بالإضافة الى ثلّة من عديمي العقيدة والمبادئ ـــــ يكتبون له معسول الكلام. واحد من هؤلاء المتدرّبين في مدرسة فارس خشان للإعلام كتب له أنه يتمتّع بمواهب خطابيّة ـــــ عن رجل يقرأ خطباً سياسياً كما يقرأ الواحد فاتورة الهاتف. يستطيع الفتى أن يقرأ ما يكتب له المتملّقون المحترفون: هؤلاء الذين يوافقونه رأيه، أن مصابه أكبر من مصاب العامة، وأن دم الأثرياء أرقى من دماء العامة. لا يعلم ابن العائلة المدلّل أنه لا ينعم إلا بالثروة وما يتفرّع منها. كان والده يقول إن الله «أنعم» عليه بالثروة، وكأن الأثرياء مُصطفون من إرادة عليا. ولكن بماذا أُنعمَ على الابن؟<br />
لو أن الفتى يسبر غور نفسه لوقف أمام المرآة وتساءل: مَن من أزلامه ومن أفراد الحاشية المُتعاظمة والمُتكسِّبة يبقى معه لو فقد ثروته؟ من من أبناء بيروت وبناتها سيصوّت له ويمشي وراءه لو فقد ثروته؟ هل يظن أن أحداً سيزوره لو فقد الثروة؟ هل كان سينادي أحدٌ بحياته، حتى غلاة التملّق من أمثال أحمد فتفت ومصطفى علّوش وكتبة النشرة اليوميّة؟ هل سيلتفت إليه أهالي الطريق الجديدة لو فقد ثروته؟ لو أنه يسأل نفسه هذا السؤال لتواضع قليلاً. لكن التأمل والتفكير العميق ليسا من شيم الأثرياء.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2009/05/09/%d8%a7%d8%a8%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%87%d9%8a%d8%af-%d8%ae%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>رفض إسرائيل: ناظرتُ رجلاً لم أرَه</title>
		<link>http://angryarab.net/2009/04/11/%d8%b1%d9%81%d8%b6-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d9%86%d8%a7%d8%b8%d8%b1%d8%aa%d9%8f-%d8%b1%d8%ac%d9%84%d8%a7%d9%8b-%d9%84%d9%85-%d8%a3%d8%b1%d9%8e%d9%87/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2009/04/11/%d8%b1%d9%81%d8%b6-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d9%86%d8%a7%d8%b8%d8%b1%d8%aa%d9%8f-%d8%b1%d8%ac%d9%84%d8%a7%d9%8b-%d9%84%d9%85-%d8%a3%d8%b1%d9%8e%d9%87/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 11 Apr 2009 07:00:32 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=339</guid>
		<description><![CDATA[كنت في نقاش على مدى الأسابيع الماضية مع أصدقاء ورفاق في الولايات المتحدة وفي العالم العربي حول طبيعة شروط مقاطعة إسرائيل والصهيونيّة ومتطلبات هذه المقاطعة وفروضها. وقد نتج هذا النقاش من دعوة جامعة سان فرنسيسكو لي في سبيل مناظرة القنصل العام لدولة إسرائيل في مدينة سان فرنسيسكو
المقاطعة هي جانب من جوانب المقاومة ضد إسرائيل لكنها [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">كنت في نقاش على مدى الأسابيع الماضية مع أصدقاء ورفاق في الولايات المتحدة وفي العالم العربي حول طبيعة شروط مقاطعة إسرائيل والصهيونيّة ومتطلبات هذه المقاطعة وفروضها. وقد نتج هذا النقاش من دعوة جامعة سان فرنسيسكو لي في سبيل مناظرة القنصل العام لدولة إسرائيل في مدينة سان فرنسيسكو</p>
<p style="text-align: right;">المقاطعة هي جانب من جوانب المقاومة ضد إسرائيل لكنها ــ مثل رفض التطبيع ــ ليست بديلاً من الرفض القاطع ومن المقاومة العسكريّة لوجود الكيان الصهيوني بحد ذاته، إضافة إلى مقاومة احتلالات الكيان، وخصوصاً أن الدول العربية تنصّلت من مسؤوليّتها في مقاومة الاحتلال حتى لا نتحدّث عن تحرير فلسطين من الصهيونيّة (حتى حزب الله خلا برنامجه من الإشارة إلى تحرير فلسطين).<br />
عندما دعتني جامعة سان فرنسيسكو لمناظرة القنصل العام لدولة إسرائيل في مدينة سان فرنسيسكو، قبلت الدعوة على الفور كونها جاءت من الجامعة. قبلتها مع التزامي الصارم لشروط مضبوطة (منّي) لمتطلّبات المقاطعة التامة للعدو ومن أجل السيطرة على معايير المناظرة حتى لا تحيد عن المقاطعة. هناك من رفاقي من تساءل إذا كانت المناظرة تخلّ بشروط المقاطعة. وأجبت بأن ذلك يتوقّف على جملة أشياء. لو كانت الدعوة إسرائيليّة فهي حتماً ستخلّ بشروط المقاطعة، لكن الدعوة جامعيّة. وهناك في إدارة الجامعة من أسرّ لي متبرّماً بأن الدعوة الأصليّة وُجهّت إلى القنصل الإسرائيلي وحده، لكن هناك في الإدارة من قال إنه يتوجّب دعوة الطرف الآخر. الأمر الثاني هو في طريقة التعامل مع المناظرة: يمكن أن تتم وفق شروط تُخلّ بها، ويمكن أن تتم في ظروف تكرّس المقاطعة والرفض القاطع لوجود الكيان.<br />
يمكن تلخيص المناظرة بالقول إنني ناظرت رجلاً لم أرَه ولم تقع عليه عيناي قط. لم أنظر إلى الرجل ولم أدعْ ناظري يقع عليه. هناك من قال لي إن إدارة الجامعة كانت ستعد حفلة كوكتيل على شرف القنصل وعلى شرفي، لكن هناك من قال لهم بناءً على ما قرأه لي إنني لن أقبل ولا بصورة من الصور بحضور حفلة كوكتيل مع الإسرائيلي. غير أن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد. قادتني مديرة المناظرة (وهي أستاذة أميركيّة من أصل إيراني ويُقال إنها كانت مترجمة رسميّة للرئيس الإيراني) إلى القاعة، وعبّرتُ عن استيائي بمجرّد دخولي. رأيتُ قاعة كبيرة تتصدّرها طاولة وكرسيّان فقط وراء اسمي واسم القنصل. قلت للأستاذة: «لن أقبل بهذا الترتيب. لا يمكن أن أجلس مُجاوراً لإسرائيلي لأن هذا يتناقض مع مبادئي». تطلّعتْ إليّ باستغراب وبشيء من الاستياء، ثم ابتسمت وسألت: أتمزح؟ قلت لها: «أترينني في سحنة مزّاح؟». سألتني: ولماذا ترفض الترتيب؟ قلت: «لأني لا أقبل أن أجلس إلى جانبه». قالت: لكن هذا لقاء في جامعة ويجب أن تكون الترتيبات وديّة وفي مناخ أكاديمي. قلت: «بلا جامعيّة وبلا أكاديميّة وبلا بطيخ. هناك ما هو أهم، وأهم بكثير. هذه مسألة مبدئيّة بالنسبة لي». قالت: ولماذا تبدو حازماً في هذا الأمر ولماذا ترفض أن تجاورَه؟ قلت لها: «لعلك ستعرفين بعد أن تستمعي إلى ما سأقوله». وجلستُ بانتظار الموعد، وسررت بلقاء التلميذ الفلسطيني الوحيد في الجامعة. أشعرني وجوده بأن الحمل ثقيل: ويجب أن أنتقم له، ولو على منبر.<br />
ضايقني الوجود الكثيف للشرطة وعناصر الأمن الخاص والدبلوماسي. واشتكى لي بعض التلاميذ من تفتيش دقيق لحقائبهم قبل دخول القاعة. وقال لي مسؤول في الجامعة إن القنصل حرص على إبلاغ دوائر الشرطة والأمن في الحكومة الأميركيّة. يبدو أن الخوف من الحذاء، أو من دستة أحذية، يعتري دبلوماسيّي الكيان الغاصب. عندها، سألت مديرة الندوة عن سبب هذا الوجود الكثيف لعناصر الأمن، فقالت: إنه من أجل حماية الدبلوماسي الإسرائيلي. لم أتمالك نفسي فثرتُ بوجهها: وماذا عن سلامتي وحمايتي أنا؟ أم أن المعايير هي فقط من أجل حمايتهم هم، لا حماية العرب؟ لم يعجبها جوابي ولا سؤالي وتمتمتْ كلاماً مبهماً عن اهتمامهم بحمايتي.<br />
أخذت مقعدي بانتظار البداية. فما كان إلا أن وقف أمامي رجل لم أنظر أليه، إذ إنني كنت أحدّق إلى الفراغ: رأيت يداً ممتدّة نحوي وسمعت صوتاً يقول: «تشرّفت بالمعرفة، بروفسور. أنا فلان». وحدّقت إلى الفراغ من دون حركة ولا نظر ولا تعابير. أعاد الكرّة ومدّ يده من جديد. غيّر العبارة الترحيبيّة من دون أن أرعوي، فتيقّن عندها أنني لن أصافحه وسيتيقّن أكثر خلال المناظرة من كوني لن أعترف بوجوده ولن أنظر إليه ولو مرّة واحدة. إنه رجل لم أره وإن كنت قد ناظرتُه في جامعة سان فرنسيسكو. هناك من قال لي بعد المحاضرة إن الرجل كان مربوعاً وكان يعتمر قلنسوة أو أنه كان يحدّق مذهولاً بمجرّد أن بدأت الحديث، ولكن لا أستطيع أن أؤكد لكم أو أنفي لأني ناظرت رجلاً لم أره. (ورأيته للمرّة الأولى، للأمانة، بعد كتابة كلماتي هنا عندما شاهدت تسجيلاً للمناظرة على الـ«يوتيوب»). وكان أن بدأت المحاضرة بعدما لزم الحضور مقاعدهم، ولاحظت أن تلامذتي ابتسموا لي عندما شاهدوني أتجاهل الرجل ومحاولته للمصافحة مع عربي. سَجّل أنني رفضتُ. وسَجّل أن منتهي صلاحية الرئاسة الخاوية في رام الله يحتضن إيهود أولمرت كالعشّاق. سَجِّل أن أولمرت كان يستسيغ الطعام العربي في بيت صائب عريقات، الغوغائي والحضاري (وهذا يذكّر بما قاله كليمنصو عن الولايات المتحدة قبل نحو قرن من الزمن). وسَجِّل أن في لبنان نائبة في البرلمان كانت تعدّ بيديها أطباقاً لبنانيّة (أو سورية، من دون أن تعلم هي لإيغالها في الجهل وفي العنصريّة) لأرييل شارون ووعدته باستضافته في القصر الجمهوري في بعبدا لمجرّد أن يتربّع زوجها الذي نصّبته إسرائيل في سدة الرئاسة. من صافح تلك السيّدة وجب أن يغسل يديه بالماء الساخن والصابون وشِعر أمل دنقل.<br />
أعطته المديرة الكلام قبلي، مع أن آداب المناظرة تفترض عادة رمي عملة معدنيّة في الهواء من أجل الترتيب العشوائي للمتكلّمين والمتكلّمات. لم تسـتأذني. لكنني أخفيت عنها أنني أفضّل الكلام بعد خصمي في المناظرة ليتسنّى لي الردّ المضاعف. وبدأ الإسرائيلي بالكلام وأنا أحدّق إلى الفراغ أمامي، منصتاً لكلامه. تسنّى لي التفكير في تاريخ المناظرة العربيّة مع الصهيونيّة. تذكّرت أن لبنانيّين، إميل إده والمطران مبارك، أدليا بشهادات مناصِرة للصهيونيّة أمام لجنة «بيل» في الثلاثينيات. وتذكّرت أن شارل مالك مثّل العرب في الأندية العالميّة في الغرب. لم يكن العرب على علم بأن المسيحي المتعصّب واليميني المتطرّف كان صديقاً سريّاً للصهاينة، وكان يتبادل قصاصات ورقيّة ونكات تحت الطاولة مع ممثل إسرائيل، أبا إيبان، في مبنى الأمم المتحدة حيث افترض أغبياء (أو أسوأ) في العالم العربي أن شارل مالك ذاك كان يدافع عن القضيّة الفلسطينيّة. كشف إيبان عن ذلك بعد سنوات في مذكّراته. لكن مالك هذا تحوّل إلى فخر لمسخ الوطن، وأطلقوا اسمه على جادة عريضة.<br />
تعلّم إيبان الاستشراق في جامعة كمبردج وأتقن العربيّة والفارسيّة، كما أنه بدأ مبكّراً في ممارسة المناظرة دفاعاً عن الصهيونيّة. والمستشرق إيبان ترجم إلى الإنكليزيّة في عام 1947 كتاب توفيق الحكيم: «يوميّات نائب في الأرياف». من الأرجح أن إيبان حصل على موافقة الحكيم، وخصوصاً أن وعي الأخير وروحه عادتا إليه بمجرّد أن تخلّص أنور السادات من «مراكز القوى». (وعملت دار الساقي على إعادة نشر ترجمة أبا إيبان قبل بضع سنوات، لكن لا عجب في ذلك لأن دار النشر تلك ضليعة في شؤون التطبيع «الحضاري» من باب التنوير الوهابي، ويبدو أنها لا تمانع في دفع ريوع البيع لعائلة أبا إيبان). ومدرسة إيبان في المناظرة الصهيونيّة كانت فعّالة. كان فصيحاً وبليغاً وأصرّ على حشر الأفكار والكلمات من دون أن يلتقط أنفاسه. كان الأسلوب يهدف إلى أفضل استخدام للوقت وللتفوّق على الخصم المناظر. أشرف إيبان على الدعاية الصهيونيّة لمصلحة إسرائيل عقوداً من الزمن، وكان ـــــ مثله مثل دعائيّي إسرائيل ـــــ يستسهل الكذب دفاعاً عن عدوان الكيان الغاصب. إليه تُعزى كذبة إسرائيل عن تعرّضها لاعتداء مصري في السابع من حزيران 1967، لكن البيت الأبيض لم يستسغ الكذبة الضعيفة فتوقّف المشرف على الكذب الصهيوني عن استخدامها.<br />
شاهدتُ العديد من المناظرين العرب في الغرب عبر السنوات، ولكثرة ما ساءني الإخراج والمضمون في تلك المناظرات، لاحظت أن الإسرائيليّين يفضّلون دوماً عرباً لا يتقنون اللغات الغربيّة لاستسهال مناظرتهم أمام جمهور يقدّر حسن إتقان ممثلي الكيان الغاصب للغات الأجنبيّة بحكم التكوين الديموغرافي لإسرائيل. كما أن عدداً من المناظرين العرب يُترجم إلى الإنكليزيّة أو لغات أخرى، أي ينقل الخطابة العربيّة بحذافيرها كما هي إلى لغة أخرى. يتندّر بعض الأصدقاء العرب بحديث عن خطبة ألقاها كلوفيس مقصود واستعمل فيها كلمة إنكليزية لترجمة عبارة «النزف العربي»، مما أوقع الجمهور الأميركي في حيرة. وأحمد الشقيري الذي يزهو في مذكراته ـــــ وهو، يا لبؤس الأمة، ترك لنا عدداً وافراً منها ـــــ بخطابته في أميركا وهو لا يزال هدفاً للسخرية شرقاً وغرباً، مع أن زمن عادل درويش وطارق الحميد جعل البعض يحنّ إلى زمن الشقيري وحتى أحمد سعيد الذي ـــــ خلافاً لخلفائه في الإعلام ـــــ لم يكن مرتزقاً. كما أن بعض المناظرين العرب يظنّون أن استدرار الدموع يسري في الغرب: والكثير من ممثلي منظمة التحرير كانوا يشهقون بالدموع استعطافاً. النتيجة تأتي غالباً لمصلحة العدو. ثم هناك التطبيع. إن فكرة الصراع الحضاري الذي تبنّاه فريق ثورة (حرّاس) الأرز ليست جديدة: بدأت مع زهدي النشاشيبي والهاشميّين (بالسرّ ـــــ لانعدام المروءة) والشيخ الجعبري ومصطفى دودين. «الفكرة الحضاريّة» تكمن في الترويج لنظريّة أنور السادات ومفادها أن صراعنا مع إسرائيل هو سوء فهم بسيط نستطيع أن نزيله بتخطّي الحاجز النفسي الذي بناه العرب. ويتطلّب هذا التخطّي الذي أتقنه السادات، تملّقاً ودونيّة واحتقاراً للنفس يقدّره لنا ـــــ أو لهم ـــــ العدو. هؤلاء كأنهم تشرّبوا ما كتب عنه ألبرت ميمي عن نزعة المُستعمَر لتقليد المُستعمِر من أجل نيل الحظوة والتقدير. وكان مناحيم بيغن يستمتع بإهانة السادات أمام عدسات الكاميرا مع أن السادات لم يكن يلاحظ ذلك، كما يتعامل إيهود أولمرت مع محمود عباس وكأنه طفل قاصر، مع العلم أن سيرة ديفيد بن غوريون التي كتبها شبتاي تفيث تروي أن بن غوريون شبّه العرب بالأطفال.<br />
وفيما أنا أحدّق إلى الفراغ وأتجنّب رؤية الإسرائيلي تراءى لي كأني أمام شاشة سينمائيّة تعرض مسلسلاً لتعاقب المجازر الإسرائيليّة بحق شعبنا. تتذكّر مشاهد الرحيل والطرد الجماعي وخيم النكبة. لكن تتذكّر ما يشحذ الهمم والعزائم: عن نساء لا يلدن إلا جيوشاً، كما قال مظفّر النوّاب. تتذكر ـــــ أو تظن أنك تتذكّر ـــــ مشهداً لعائلة العظيم جورج حبش وهي تُطرد بالقوة على يد جيش من الإرهابيّين المحترفين بقيادة إسحق رابين، الذي كان رفيق الحريري، وابنه سعد بعده، من المعجبين به. كل ذلك وأنت على بعد أذرع من رجل قد يكون قتل لك أخاً أو أختاً أو رفيقاً أو رفيقة. هذا ما يؤكد ضرورة الحفاظ على سلاح المقاطعة المطلقة للكيان الغاصب في كل جوانبه. والمقاطعة ليست بديلاً من المقاومة لكنها مكمّلة لها، وخاصة في بلدان بعيدة عن أرض الصراع. ومن الملاحظ أن دبلوماسيّي إسرائيل يلجأون إلى الكلام العمومي والإكثار من اللهج بحمد السلام العمومي أمام الجمهور الأميركي القليل المعرفة غالباً. لأن شيطان التفاصيل ليس لمصلحتهم، إذ يضم حكايات وأرقاماً عن جرائم وسرقات واحتلالات واجتياحات وقصف وتدمير وتفتيت الأطفال. لعل هذا كان سبب لقاء خادم الحرميْن مع شمعون بيريز في حوار «الأديان» المنتقاة بعناية على يد هيئة كبار العلماء. وأنهى القنصل الإسرائيلي كلامه بكلام عام عن حب السلام ــ الحب كله.<br />
لا يجوز للمرء أن يقيّم نفسه أو أن يحكم بنتائج مناظرة، لكني بدأت كلامي بالتذكير بأن حضوري كان بدعوة من الجامعة لا من غيرها، وبأن حضوري ـــــ من دون الاعتراف بالإسرائيلي أو حتى النظر إليه ـــــ لا يعني بصورة من الصور انتقاصاً من التزامي الصارم بالمقاطعة الشاملة والتامة والكاملة والمطلقة مع الكيان وممثليه وأبنائه وبناته الذين واللواتي يخدمون في جيش يحترف قتل الأطفال وارتكاب المجازر. كل هذا لا يشغل الإعلام السعودي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم لانشغاله بالتصدي للمخطط الصفوي (والقجاري أحياناً أخرى). لقد دعوتُ الجمهور إلى التزام المقاطعة، وهي دعوة باتت تلقى صداها في أوساط الجامعات الغربيّة وفي بعض الأوساط في بعض الجامعات الأميركيّة نفسها. وقد خطبت قبل أسابيع في عدد من الجامعات البريطانيّة، بما فيها جامعة منشستر حيث عمد ناشطون وناشطات إلى احتلال مبنى في الجامعة للتعبير عن الغضب حيال المجازر الإسرائيليّة في غزة. وجلت بناظري بين الطلاب والطالبات في المبنى المُحتلّ حيث هُرّبتُ خلسة ولاحظت أن الأعراق والجنسيات متنوّعة، مع أن هناك من العرب من شكا لي أن بعض الطلبة العرب (وعددهم في المهاجر يتناقص باستمرار بسبب الأعباء الماليّة الباهظة وتفريخ الجامعات الخاصة في بلادنا) يتجنّبون المشاركة في النشاطات السياسيّة إما خوفاً وإما توقاً لمستقبل غير سياسي في دبي، قبل انهيار نموذجها البرّاق. (وقد أنشأ بعض الطلبة اللبنانيّين في جامعة كاليفورنيا في بيركلي نادياً «فينيقيّاً» للاحتفاء بالمطبخ اللبناني).<br />
وفي فترة الأسئلة والأجوبة تكاثرت الأسئلة المُحرجة للقنصل الإسرائيلي. قيل لي إنه بدا مربَكاً ومُحرجاً ومُتأفِّفاً. وفي واحد من أجوبته، قال للحضور إنه (أي أنا) رفض أن يصافحه أو أن يسلِّم عليه أو حتى أن ينظر إليه. شكا لهم ذلك وأضاف: إنه يرفض أن يؤنسنني. قلت في نفسي: قد يتعاطف معك ليبراليّو الإعلام السعودي والحريري، وقلت للحضور: أراهم (أي الصهاينة) كما يرون أطفال غزة. ولاحظ الصديق عامر، وكان بين الحضور، أن القنصل عيّرني بما يعيّرني به خصومي اللبنانيّون، إذ إنه قال إنني أتحدّث بلغة السبعينات البائدة. هي تلك التي يسمّونها «اللغة الخشبيّة» في فريق ثورة (حرّاس) الأرز. وقال الإسرائيلي إن الفلسطينيّين في رام الله والعرب الآخرين لا ينطقون بالغضب الذي نطقت به وأن العرب يعرضون مبادرة سلام (في إشارة إلى مبادرة توماس فريدمان التي روّج لها ذلك الذي يعتبر نفسه خادم الحرمين). من سوء حظ المتكلّم الإسرائيلي أن عالماً فلسطينيّاً من رام الله كان بين الحضور وأوضح أن غضبي يحاكي الغضب الشعبي العربي في رام الله وفي خارجها. لكنني نوّهت للجمهور بأن سمة الاستعمار الكلاسيكيّة هي الجهل بوضع الشعب المُستعمَر. فالولايات المتحدة لا تزال تتعامل بجهل مع الشعبين الأفغاني والعراقي، كما أن الصهيونيّة لم تعرف الشعب الفلسطيني ولم تدرسه بسبب العنصريّة المتحكِّمة التي تنظر بدونيّة إلى السكّان الأصليّين. لكن الأمر اختلط على قادة إسرائيل ودعائييها لأنهم لا يلتقون إلا مع الفريق الدحلاني وتفوتهم اتجاهات الرأي العام الفلسطيني. هؤلاء هم الذين كانوا يضمنون فوز حلفائهم في حركة فتح في الانتخابات التشريعيّة الأخيرة.<br />
التجربة (في المناظرة) غنيّة بدلالاتها. إن غضباً دفيناً يعتمر صدورنا، نحن الذين نشأوا على هدف تحرير كل فلسطين. إن معايشتنا للمجازر وعيش بعضنا تحت الاحتلال يزيد من التصميم على عدم المهادنة في رفض الصهيونيّة في بلادنا، مع أن التحدّي المعادي يزداد ضراوة. الصهيونيّة اليوم دخلت في برنامج الجامعة العربيّة من خلال مشروع توماس فريدمان، ويمكن عمرو موسى (الذي يحبه شعبان عبد الرحيم كثيراً) أن يبدأ اجتماعات الجامعة العربيّة بتلاوة شكر للاحتلال. هم يحاولون أن يفرضوا علينا لغة جديدة ومصطلحات مسكوكة في إسرائيل. يخجل بعضهم من الجواب عن السؤال البديهي: هل تعترف بحق إسرائيل في الوجود؟ كنت أرى المتكلمين العرب يعرقون ويتأوهون ويداورون من دون أي يجيبوا عن السؤال بصراحة. هناك اليوم من العرب (حكاماً وإعلاميّين ومثقّفين) من يجيب عن هذا السؤال بالإيجاب. أنا أنتظر بفارغ صبر أن يُوجّه هذا السؤال إليّ، وخصوصاً أن الصهاينة هنا يطرحونه منتظرين إحراجاً أكيداً للخطيب العربي. أنا أجيب بحماسة: طبعاً لا أعترف ولن أعترف يوماً بحق إسرائيل في الوجود، ولا أزال أتمسك بلاءات الخرطوم التي فرضها الرأي العام العربي على قادة العرب المنهزمين والانهزاميين. لكن قادة العرب يعرفون في قرارة أنفسهم أن الشعب العربي لن يصالح، حتى لو ارتموا هم على أعتاب مكتب رئيس وزراء العدو كما يفعل محمود عباس. وعناد الشعب العربي في رفض الكيان الصهيوني ـــــ رغم أنف معلّقي إعلام آل سعود ـــــ يؤرق الصهيونية والطغاة العرب على حدّ سواء. هم لديهم مشروعهم للتعايش وللتسليم بسيادة الاحتلال والهيمنة الإسرائيليّة في المنطقة العربيّة. عبّر عن هذا التوجّه بوضوح وزير الخارجيّة البحريني (ولديه من القدرات الذهنيّة والفكريّة ما لدى سعد ونادر وأحمد الحريري). لكن من وماذا يمثّل وزير الخارجيّة البحريني أو أي من معلّقي أمراء آل سعود؟<br />
مشيتُ بعد المناظرة برفقة صديقيْن عربيّيْن. قلت لهما قانطاً حانقاً: بصرف النظر عن نتيجة المناظرة وعن حسابات الفوز والظفر، فإن هناك واقعاً أكيداً: لا يزال العدوّ يحتلّ الأرض ويقتل شعبنا. الانتصار الحقيقي هو في الميدان لا في المنابر. وهذا المهم هو أهم.</p>
<p style="text-align: right;"> </p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2009/04/11/%d8%b1%d9%81%d8%b6-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d9%86%d8%a7%d8%b8%d8%b1%d8%aa%d9%8f-%d8%b1%d8%ac%d9%84%d8%a7%d9%8b-%d9%84%d9%85-%d8%a3%d8%b1%d9%8e%d9%87/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>انتصار العقيدة الكتائبيّة</title>
		<link>http://angryarab.net/2007/08/26/%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a6%d8%a8%d9%8a%d9%91%d8%a9/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2007/08/26/%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a6%d8%a8%d9%8a%d9%91%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 26 Aug 2007 07:00:17 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=375</guid>
		<description><![CDATA[تأتي الحروب أحياناً بنتائج معاكسة لنتائج المواجهات العسكرية في الميدان. ويقال عن صراعات الحروب الأهلية في ‏جبل لبنان في القرن التاسع عشر إنّ الطرف المنتصر عسكرياً ينتهي أحياناً مهزوماً سياسياً، والعكس صحيح.
ويمكن ‏القول إن حزب الكتائب اللبنانية انتهى مهزوماً عسكرياً في تاريخ الحرب الأهلية. أتت الضرب القاضية في الثمانينيات ‏في عهد أمين الجميل الذي ابتدأ [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">تأتي الحروب أحياناً بنتائج معاكسة لنتائج المواجهات العسكرية في الميدان. ويقال عن صراعات الحروب الأهلية في ‏جبل لبنان في القرن التاسع عشر إنّ الطرف المنتصر عسكرياً ينتهي أحياناً مهزوماً سياسياً، والعكس صحيح.<br />
ويمكن ‏القول إن حزب الكتائب اللبنانية انتهى مهزوماً عسكرياً في تاريخ الحرب الأهلية. أتت الضرب القاضية في الثمانينيات ‏في عهد أمين الجميل الذي ابتدأ بالوعيد والتهديد، وانتهى باستجداء خصومه (بالإضافة الى استجداء النظام ‏السوري) لكي يتسنى له أن يحكم ـــــ أو أن يستأثر بالحكم ـــــ بـ(لا)سلام. ثم جاءت حرب الإلغاء لتقضي على آخر ‏فرصة للصعود العسكري للحزب الذي حلم في عهد بشير الجميل بالسيطرة على كل لبنان، مستعيناً براعيه الإسرائيلي ‏‏(حان الأوان للتوقف عن ترداد الأكذوبة المعروفة ـــــ والمخترعة من قبل الدعاية الكتائبية في مرحلة لاحقة ـــــ حول ‏خلاف بين بشير الجميّل وحلفائه الإسرائيليين. صدقية هذا الزعم كمثل الزعم بأن عاصم قانصوه اختلف يوماً مع ‏النظام السوري). لكن الحزب الذي بدا في طور الاحتضار قبل سنوات، يستطيع أن يفاخر اليوم بانتشار عقيدته ‏الأيديولوجية واعتناقها من قبل مختلف الطوائف في لبنان (مع أنّ الحزب لا يزال ضعيفاً جداً تنظيمياً على الرغم من ‏ادّعاءات وحفلات قسم يمين تجيدها الأحزاب الصغيرة في لبنان. كان حزب كامل الأسعد ـــــ الحزب الديموقراطي ‏الاشتراكي ـــــ يجيدها بامتياز في الوقت الذي كانت فيه زعامته الإقطاعية تتلاشى، وإن كان آل الحريري يسعون اليوم ‏لإنعاش الإقطاع السياسي الشيعي بعدما فشلت محاولتهم لتنصيب باسم السبع زعيماً أوحد على الطائفة الشيعية). ‏<br />
مرحلة الصعود<br />
والحزب هذا لم يكن يحلم بالصعود الذي ولجه في فترة الحرب الأهلية. حكاية البداية معروفة الآن: المؤسّس تأثّر ‏وأُعجب بتجربة النازيّة في الألعاب الأولمبية في برلين. عاد إلى لبنان وأنشأ أوّل محاولة فاشيّة جدّية (وكانت هناك ‏محاولة في مصر أيضاً) في المنطقة (بعد الصهيونية)، لكن البداية لم تكن واعدة. فالحزب كان من مؤيّدي الانتداب ـــــ‏ وكلمة «انتداب» محاولة مهذّبة لتمرير الاستعمار ـــــ الفرنسي الحنون، وإن كان الجميّل أدرك متأخّراً جداً أنّ هذا ‏الموقف لا يمكنه أن يُثمر سياسياً، فكانت تلك التظاهرة الشهيرة و«إصابة» الشيخ بيار في تظاهرة ضد الفرنسيين ‏‏(تذكّر تلك الإصابة بإصابة سامي أمين الجميّل قبل سنة عندما ادّعى أنّ جماهير أمل وحزب الله اعتدت عليه ـــــ ‏وكذّبه آنذاك أحمد فتفت (ما غيره) قبل أن يعود فتفت ويكذّب نفسه بعدما تلقى اتصالاً هاتفياً من أمين الجميل).<br />
كان ‏حزب الكتائب ضعيفاً جداً في الفترة الاستقلالية الأولى، وإن كان يتمتّع منذ الخمسينيات بدعم مالي (أو أكثر) من قبل إسرائيل (آن الأوان أن تتوقّف تلك المزاعم عن ذلك المركب في عرض البحر في عام 1976، وكأنّ الحزب لم يكن ‏على اتّصال بإسرائيل قبل ذلك). وكانت إسرائيل تسعى لتدعيم موقف الحزب في الانتخابات النيابية (كلّ ذلك لم يعد ‏سرّاً ونُشر في الكتابات الأكاديمية الإسرائيلية المعتمدة على الوثائق الرسمية في أرشيفات الدولة). لكنّ التأجيج ‏الطائفي الحاد، بالإضافة إلى ألاعيب سياسة فؤاد شهاب المارونية (مرّ شهاب بفترة توتّر في العلاقة مع حزب الكتائب، لكن ‏شهاب كان مسكوناً بهاجس إضعاف ريمون إدّه)، عزّزا من موقع الحزب. وكان الحزب يستفزّ المقاومة الفلسطينية في ‏لبنان ليسوّغ عملية تسليحه التي لم تتوقّف منذ 1958. والحرب الأهلية، التي يمكن القول إنّها اشتعلت وطالت ‏بتخطيط وإرادة كتائبيّين واضحين، كانت مفيدة للحزب إذ إنّها عبّأت الرأي العام المسيحي، أو جلّه، وراء الشعارات ‏الطائفية الواضحة والشعارات العنصرية المبطّنة بعض الشيء. ‏<br />
لم يكن الحزب يدري أنّ أعماله الحربية المرسومة، التي تلقّت دعماً عسكرياً قويّاً من نظام سليمان فرنجية، إضافة إلى دعم سعودي وثّقته في بداية الحرب جريدة المحرّر قبل أن تدمّرها «قوات الردع العربية»، ‏ستعبّئ رأياً عاماً مقابلاً مناصراً للقضية الفلسطينية (كان ذلك قبل مرحلة الاحتفاء اللبناني الشعبي بتدمير ‏مخيّم الفقراء في البارد). وكان الردّ اللبناني المناهض للكتائب قوياً، وإن كان ياسر عرفات قد مانع في دخول الحرب ‏بقوّة لحسمها لمصلحة قوات الحركة الوطنية. وكانت بعض القيادات الفلسطينية في داخل فتح (مثل أبو صالح وأبو أياد) ‏تلجأ الى تعزيز الموقف العسكري لقوات الحركة الوطنية من دون علم أو إذن عرفات. وإن قوات ما كان يسمى بـ‏‏«جبهة الرفض» ــــــ نحن نعيش اليوم في عصر «جبهة» القبول والانحناء ـــــ كانت حازمة في قرارها خوض الحرب ‏الى جانب القوات المعادية للمخطط الإسرائيلي في لبنان.<br />
وكان يمكن قوات الحركة الوطنية المتحالفة مع الثورة ‏الفلسطينية في لبنان أن تقضي على حزب الكتائب وعلى القوات المتحالفة معها (من طراز الحزب الذي رفع شعار ‏‏«اقتل فلسطينياً تدخل الجنة» ـــــ لا ندري إذا ما كان هذا الحزب قد دخل رسمياً في 14 آذار وإن كانت جريدة «النهار» ‏تحرص على نشر بياناته أملاً في إنعاش حظوظه) لو لم يتدخّل النظام السوريّ آنذاك لمنع قيام نظام متطرّف كان يمكنه أن يجرّ سوريا إلى مواجهة مع إسرائيل (إذ إنّ هذا النظام التزم الشعار القائل إنّه هو من يختار «زمان ‏المعركة ومكانها» ـــــ والناس تنتظر على أحرّ من الجمر، وإن كنّا لم نفهم مصطلح «مكان المعركة»، هل يمكنها أن تكون في ‏البرازيل مثلاً؟).‏<br />
أمين وبشير<br />
توجّت ظاهرة بشير الجميّل، وما مثّلته من توثيق وتعميق للتحالف مع إسرائيل في فترة زيارة السادات للقدس، ‏مرحلة الصعود لهذا الحزب، وخصوصاً أنّه لجأ إلى الإلغاء العنفيّ والتصفيات للقضاء على أيّة منافسة مسيحيّة. وأتى ‏تنصيب بشير الجميّل (أليس من المُعيب الحديث عن «انتخاب» بشير الجميّل؟) ليشكّل ختام المرحلة الذهبية، إذ بدأت آنذاك ‏مرحلة الانحدار حتّى التلاشي. فلم يتقبّل الرأي العام المناهض للكتائب فكرة وصول الجميّل إلى سدّة الرئاسة ـــــ طبعاً هناك اليوم من ينفي وجود المعارضة اللبنانية لبشير لأنّ المُراد اليوم أن يُعزى كلّ ما جرى من ‏حروب واغتيالات وصراعات إلى سوريا، فقط سوريا، لأنّ إسرئيل في سرد 14 آذار للحرب الأهلية لم تُرِد للبنان إلا ‏الخير (كما تريده لفلسطين، كما ذكرت صحيفة «المستقبل» في 15 تموز 2007 عندما تحدّثت عن «تكثيف» إجراءات ‏‏»حسن النيّة» من إسرائيل وأميركا للشعب الفلسطيني).<br />
شكّل عهد أمين الجميّل محاولة متعثّرة انتهت بالفشل الذريع، ‏وهي كانت تعتمد على نشر نموذج القوّات اللبنانية الصغير على كلّ لبنان بدعم أميركي ـــــ إسرائيلي ــــــ سعودي (كان أمين ‏الجميّل يمثّل «سوموزا لبنان» بنظر وليد جنبلاط في ذلك الوقت). ويمكن القول إنّ سقوط تجربة أمين الجميّل شكّل ‏بداية النهاية لتجربة حزب الكتائب، وخصوصاً أنّ القوّات اللبنانية نجحت في فترة ما بعد بشير بطرح نموذج مسيحي ‏أكثر تطرّفاً من كتائب أمين الجميل، مثلما يحاول سامي أمين الجميّل اليوم أن يطرح حركته «لبناننا» كنموذج أكثر ‏تطرّفاً من القوّات اللبنانية. ‏<br />
التفوّق الجينيّ<br />
لكنّ انتصار العقيدة الكتائبيّة تبلور في ما يسمّى بـ«إصلاحات» الطائف، مع أنّ اللقاء الشهير الذي قيل لنا إنّه طوى ‏مرحلة الحرب الأهلية جاء في وقت كان فيه الحزب في طور الاحتضار. ففكرة نهائيّة الكيان، التي كرّسها الطائف ‏في الدستور اللبناني، تطلّبت التزامات أو تنازلات عقائدية من صلب عقائد الأحزاب القومية العربية في تشكيلاتها ‏المختلفة، بالإضافة إلى عقيدة الحزب القومي السوري. ولم يُشرح لنا سبب تقديم هذا التنازل العقائديّ الذي لا معنى له. ‏إذ من يستطيع أن يضمن أنّ التطلّعات الكيانيّة للشعب اللبناني غير خاضعة للتغيير، وهي تغيّرت بصورة كبيرة على ‏امتداد عقود قليلة. حتى في مجال النظام الاقتصادي، فقد التزم الدستور الرؤية الكتائبية، على الرغم من برنامج الإصلاحات ‏الاقتصادية الاشتراكية التي مات كمال جنبلاط (والذين قاتلوا في صفوف الحركة الوطنية) دفاعاً عنها.‏<br />
وهناك عدّة عناصر من العقيدة اللبنانية وجدت مكانها اليوم في الثقافة السياسية اللبنانية: من الحقد العنصري ضد ‏العنصر الفلسطيني والسوري، إلى نظريّة تفوّق العنصر اللبناني التافهة التي سخر منها صحافي في النيويورك ‏تايمز ذات يوم في عزّ «ثورة الأرز» عندما وصف بعض اللبنانيين بأنّهم ينظرون إلى أنفسهم وكأنّهم «أوروبيون تائهون». ‏وباتت صحيفة «النهار» وصحيفة «المستقبل» نسختين غير معدّلتين عن جريدة «العمل» أثناء الحرب. فتخصّصت «النهار» في التسعينيات، مثل الصحف اليمينيّة المعادية للمهاجرين في الغرب، في اختلاق أرقام «مروعة» عن عدد ‏الوافدين السوريين والفلسطينيين، وذلك لتخويف الشعب اللبناني من الخطر الوافد من الشرق (أمّا عن الخطر من ‏الجنوب فتتخصّص «النهار» والـ«إل.بي.سي» في أخبار تحرّكات ومواقع المقاومة في الجنوب لعلّ هناك من يجد فائدة ‏‏ جمّة في تلك المعلومات). أما «المستقبل» فهي تتخصّص في إثارة عنصريّة مفضوحة في صفحة الجرائم حيث تتلقّط ‏أيّ خبر عن أيّة فعلة شنيعة، إذا ما كان مرتكبها سورياً، ولو بالشائعة (وتسخر تلك الجريدة الرائدة في ثورة الأرز ‏من أخبار انتحار خادمات من سريلانكا أو إثيوبيا، ربما لأنّ أولاد الأثرياء يجدون فكاهة ما في ‏أخبار موت الفقراء).‏<br />
لكنّ أسطورة التفوّق الجينيّ اللبنانيّ (وهي تستند علمياً، على ما نظنّ، إلى الفوائد البيولوجية للمطبخ اللبناني) باتت ‏منتشرة في أكثر من وسيلة إعلاميّة، وفي مختلف قطاعات الرأي العام اللبناني. فأخبار «اكتشافات» أدوية لداء ‏السرطان (من قبل أفذاذ من لبنان) لم تعد محصورة بجريدة «النهار»، بل انتشرت في كل وسائل الإعلام. وهذه السنة ‏احتفل كل لبنان بخبر (لا أساس له طبعاً من الناحية العلمية) عن طالب لبناني في فرنسا توصل الى «اكتشاف» دواء شافٍ&#8230; للسرطان. (ما سبب هذه الإنجازات اللبنانية المستمرّة في حقل مكافحة السرطان ـــــ وحسناً فعل وزير الصحة ‏شبه المستقيل عندما منع من العمل مشعوذاً لبنانياً استغلّ آلام المئات زاعماً قدرة له على شفاء مرضى السرطان).‏<br />
أمّا العداء العامّ للشعب الفلسطيني، فانتشر في كلّ الطوائف، وما الابتهاج اللبناني العام بقصف مخيم ‏نهر البارد في كلّ وسائل الإعلام إلا خير دليل، وإن كان اللبنانيّون (واللبنانيات) مثل الإسرائيليّين (والإسرائيليات) يبرّرون عنصريتهم ضد ‏الشعب الفلسطيني عبر الإكثار من استعمال أوصاف الإرهاب.<br />
كم تغيّر لبنان: لبنان الذي تظاهر بنوه بالآلاف في ‏الستّينيات عندما توفّي معتقل فلسطينيّ تحت التعذيب، صار اليوم يطالب بتدمير مخيّم فلسطيني آهل، في الوقت الذي ‏تعرض فيه «ميليشيا» آل الحريري في الشمال خدماتها في القتل والقنص. فكأنّ هذا الـ«لبنان» هو وطن آخر، وهذا دليل آخر ‏على تقلّب اللبنانيين في أهوائهم. وكلام زعماء مختلف الطوائف في لبنان اليوم على المخيّمات الفلسطينية لا يختلف ‏البتّة عن خطاب مؤسّس حزب الكتائب اللبنانية أثناء تضييق الحصار على المخيّمات الفلسطينية. ‏<br />
الصيغة الفريدة<br />
تتجلّى ظاهرة أخرى لهذا التعلّق المتطرّف بالكيان، والتغزّل بالصيغة اللبنانيّة. كانت الثقافة السياسية اللبنانية ‏أكثر رحابة في فترة ما قبل الحرب الأهلية لأنّ أفكاراً تتخطّى الكيان اللبناني الضيّق (اللصيق فكرةً ودوراً بسند الكيان ‏الصهيوني منذ إنشائه من قبل حلفاء لفكرة الدولة اليهودية على أرض فلسطين) من منظور عربي أو سوري أو أممي ‏كانت متداولة بحريّة، ولم يكن يُنظر إليها على أنها مناقضة للفكرة الوطنية. لا أحد ينظر الى دعاة الوحدة الأوروبية في ‏فرنسا أو في ألمانيا على أنهم خونة أو مناقضون لفكرة العيش المشترك. أما في لبنان فالدستور ألزم كل المواطنين (والمواطنات) بفكرة نهائية الكيان، مع أنّها فكرة ضعيفة لأنّه لا يمكن ضمان ديمومة الفكرة أو ديمومة الكيان في عالم ‏متغيّر ينزع نحو الاندماج في أكثر من منطقة. وفكرة نهائية الكيان لا تعبّر عن ثقة بأزلية الوطن (وهي فكرة ‏غير واقعية)، بل عن تشكيك وجوديّ عميق يحتاج للتعامل معه إلى توكيد عكسه يومياً. وشعار 10425 الذي رفعه ‏بشير الجميّل (والذي أخطأ حسن نصر الله في ترديده، وإن فعل ذلك لتأكيد ضرورة تحرير الأرض) لم يكن من أجل ‏تحرير الوطن، بل من أجل إخضاعه برمّته للسيادة الإسرائيلية التي أتت ببشير رئيساً على لبنان. ‏<br />
ثم هناك الحديث الذي لم يتوقّف بيار الجميل (الجد المؤسس) عن ترداده في تصريحات يومية كانت تُعدّ له (اقرأ كتاب ‏لويس الحاج «من مخزون الذاكرة» الذي اعترف فيه بأنّ جريدة النهار كانت تشذّب تصريحات بيار الجميل للتخفيف ‏من حدّتها الطائفية). وورث وليد جنبلاط في طوره المستحدث هذا الدور وهذا الثناء على الصيغة الفذة. وكيف يمكن صيغة أن تكون فذة إذا كانت تحتاج إلى حروب وصراعات دورية لإثبات فذاذتها؟ والصيغة اللبنانية ليست فريدة، فهي ‏قائمة على ما سمّاه اللورد بلفور «إهمال حق تقرير المصير العددي» الذي شكّل صلب النظام الصهيوني ونظام ‏التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا. وكفى تطبيلاً لهذه الصيغة التي لا عبقرية لها إلا في تسعير الصراعات الطائفية ‏ودفعها نحو الحرب الأهلية دوريّاً.‏<br />
يستطيع بيار الجميّل أن يرقد قرير العين. فالبزرة ـــــ لم نقل «السوسة» ـــــ التي زرعها قد أثمرت وانتشرت بين ‏الطوائف. ونستطيع القول إنّ وليد جنبلاط وسعد الحريري هما اليوم أعتى كتائبيّةً من المؤسّس نفسه. أمّا الياس ‏عطالله، فيبدو أقرب إلى فكر «حرّاس الأرز»، وإن كان أصرح طائفياً، وخصوصاً عندما يأخذ راحته في الحديث في ‏برنامج «نهاركم سعيد». ويخطئ من يظنّ أنّ أسطورة الكيان اللبناني قائمة على أسس متينة بمجرّد التغنّي بها ‏والتلويح برايات الأرزة. لكن العقيدة الكتائبية، التي بدأت محرّكاً لمنظّمة يمينيّة متطرّفة شبه معزولة، أثبتت ديمومة ‏واستمرارية لم تكن متوقّعة. والطائفية (التي أصرّ كمال يوسف الحاج على أنّها «بنّاءة») تجعل من المبدئيّة شبه مستحيلة ‏لأنّ المصلحة الطائفية ومصلحة زعماء الطوائف تطغى على ما عداها. وهذا ما يفسّر التقلّب الذي يصيب أهواء ‏الطوائف (فمن الخطأ الظنّ أنّ وليد جنبلاط هو وحده المتقلّب والخالي من المبدئية. فما هو إلّا ظاهرة من صلب ‏المجتمع الطائفي اللبناني).<br />
لا يشكّل انتشار العقيدة الكتائبية في المجتمع اللبناني خطراً على سلامة الشعب ‏الفلسطيني في لبنان وعلى سلامة العمّال السوريّين (تصوّرهم جريدة المستقبل عملاءَ للنظام) وحسب، بل على السلم ‏الأهلي في لبنان أيضاً. وإذا كانت العقيدة الكتائبيّة شكّلت تهديداً وخطراً على سلامة المسيحيّين في لبنان، فإنّها ستكون فتّاكة ‏إذا ما تحوّلت إلى عقيدة (غير رسميّة) جامعة للوطن.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2007/08/26/%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a6%d8%a8%d9%8a%d9%91%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>طَوْرَان في سيرة الليبرالية العربية</title>
		<link>http://angryarab.net/2007/08/07/%d8%b7%d9%8e%d9%88%d9%92%d8%b1%d9%8e%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2007/08/07/%d8%b7%d9%8e%d9%88%d9%92%d8%b1%d9%8e%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 07 Aug 2007 07:00:41 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=377</guid>
		<description><![CDATA[يخطئ من يظنّ أنّ الليبراليّة العربيّة هي ظاهرة حديثة أو جديدة، أو أنّها سمة (فقط) من سمات الصعود الثاني للحقبة السعودية التي تلت حرب الخليج الثانية وسقوط الإمبراطورية السوفياتية. وكان الرهان على انتصار الامبراطورية الأميركية رهاناً مشتركاً بين اليمين الغربي واليمين العربي المتمثّل بالحكم السعودي (ما يسمّى اليوم بمعسكر «الاعتدال»). ويمكن تأريخياً التمييز بين الطَوْر [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">يخطئ من يظنّ أنّ الليبراليّة العربيّة هي ظاهرة حديثة أو جديدة، أو أنّها سمة (فقط) من سمات الصعود الثاني للحقبة السعودية التي تلت حرب الخليج الثانية وسقوط الإمبراطورية السوفياتية. وكان الرهان على انتصار الامبراطورية الأميركية رهاناً مشتركاً بين اليمين الغربي واليمين العربي المتمثّل بالحكم السعودي (ما يسمّى اليوم بمعسكر «الاعتدال»). ويمكن تأريخياً التمييز بين الطَوْر الأوّل من الليبرالية العربية والطَوْر الثاني في سيرة الحركة المذكورة.<br />
فالظهور الأوّل للّيبرالية العربية تلا سقوط الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن العشرين. وكانت أفكار الليبرالية العربية عفوية إلى حدّ ما، بمعنى أنّها عبّرت حقاً عن تطلّعات جيل من الكتّاب العرب الذين تأثّروا بالكتابات (والفرضيات) الغربية المتأثرة بالكتابات الاستشراقية (المتمثلة في مدارس الإرساليات وكلياتها) بصورة خاصة، وبالمصالح الاستعمارية بصورة عامة. اعتنق هؤلاء بصورة ببغائية الأفكار السائدة في أوساط الاستشراق التقليدي حول العرب والإسلام. وأرادوا للعالم العربي (أو لبلدانهم، إذ إنّهم في معظمهم عادوا الفكرة القومية ـــــ وهم يحترمونها في تجلياتها الغربية وينبذونها بين العرب فقط) أن لا يقلّد نموذج الحكم الغربي (لأنّ هناك أكثر من نموذج)، بل نموذج اليمين الغربي في الحكم، حتى في استعمارهم للعرب.<br />
<strong>طه حسين والبدايات</strong><br />
وظهرت بذور الليبرالية (الاستعمارية) في كتابات بعض «المصلحين» العرب في القرن التاسع عشر، الذين تعلّموا على يد مدارس إرساليات مشبعة بالفكر الاستعماري والاستشراقي (وهما صنوان إلا عند قلّة منهم مثل مكسيم رودنسون وغيره). ويمكن اعتبار كتاب طه حسين، «مستقبل الثقافة في مصر» (1938)، الدليل الفكري الموَجّه لليبرالية العربية الحديثة، وهي تعتمد على:<br />
1) رفض النموذج المُلطّف للرأسمالية الغربية، والأخذ بنموذج الرأسمالية المتوحشة المتفلتة من الضوابط (التي مثّلها خير تمثيل في لبنان المعاصر فريق رفيق الحريري ــــــ فؤاد السنيورة، وإن كان الثنائي يعاني هياماً بسلالات غير ليبرالية). فطه حسين مثلاً رفض أن يشمل دور الدولة توفير قوت الشعب (الذي هو مصدر فخر للدولة الفرنسية بعد الثورة)، فهذا أمر بعيد عن الديموقراطية بنظر طه حسين. وهذا يشير إلى كون الليبرالية العربية ـــــ حتى في طورها الأوّل ـــــ أكثر يمينية وتطرّفاً في نسقها المستورد من النموذج الغربي المُقلد. فآدم سميث، منظّر الرأسمالية، أفتى في كتابه «ثروة الأمم» بجواز أداء الدولة دوراً في الاقتصاد في مجالين اثنين: توفير التعليم الرسمي العام، وتوزيع القوت على الناس لمنع المجاعة، أي أنّ عمل «اليد الخفية» في السوق ليس مطلقاً بالنسبة إليه (لكنّه مطلق تماماً بالنسبة إلى فريق السنيورة الذي يعمل على «تحرير الرغيف»، تماماً كما يعمل السنيورة وبجهد على تحرير لواء الإسكندرون بعد أن تسنى له تحرير مزارع شبعا بالوسائل الحضارية).<br />
وكان طه حسين واضحاً في تعبيراته ومصطلحاته واستعاراته. فاعتمد من دون تردّد أو تحفّظ على مصطلح «العقل المصري» («العقل الشرقي» كان متخلّفاً بنظره) قبل عقود من صدور كتاب «العقل العربي» المُهين (على المستوى العلمي والإنساني) لرفائيل باتاي، الذي يعتمد على التعميمات النمطية، والذي ـــــ على الرغم من ابتعاده عن معايير علم الاجتماع في الغرب ـــــ تحوّل إلى «إنجيل المحافظين الجدد»، كما ذكر سيمور هيرش (وهو عضو فاعل في منظمة حزب البعث في لبنان كما نقرأ في صحافة 14 آذار) في مقالة في مجلة «نيويوركر».<br />
ولم يكن طه حسين راضياً عن الاستعمار، لأنّه لم يدمج البلدان المُستعمَرة في حضارة الغرب بما فيه الكفاية. فهو يقول في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» ما يلي: «نريد أن نتّصل بأوروبا اتّصالاً يزداد قوة من يوم إلى يوم حتى نصبح جزءاً منها لفظاً ومعنىً وحقيقةً وشكلاً» (ص 34). لا يحتمل هذا الكلام أي تأويل. لكن حظوظ الليبرالية العربية كانت متعثرة: فهي تساهلت في المسألة الوطنية وارتبطت أيّما ارتباط بالحكم الأجنبي، ونزوعها نحو الرأسمالية غير المُقيّدة أبعدها عن هموم معظم الناس (والناس رعاع بنظر النخبة البورجوازية التي تحتقر من لا يحسن النطق بلغات أجنبية). وكان التخلّص من الاستعمار الاسمي ـــــ الرسمي، بالإضافة إلى صعود القومية العربية وحركات اليسار التي أثرَت حركة المقاومة الفلسطينية، قد قضى على إمكان تشكيل سياسي تنظيمي لليبرالية العربية. أما في ذات اليمين، فلم تكن الحركة الدينية المتزمّتة التي كانت مدعومة من التحالف الشخبوطي المُثقل بهمّ الناصريّة واليسار آنذاك (إبان ما سمّاه مالكولم كير «الحرب العربية الباردة» في كتاب يحمل الاسم نفسه) لتسمح ببروز ما يمكن أن يزعج الركن «السلفي» المنضوي في جسم حكم سلاطين النفط.<br />
أما الطور الثاني لصعود الليبرالية العربية فجاء بعد حرب العراق في 1991، عندما استولى الحكم السعودي على كل وسائل الإعلام العربية (قبل ظهور قلّة من وسائل الإعلام المدعومة قطريّاً في النصف الثاني من التسعينيات). وللّيبرالية نظرياً أحد معنيين: الليبرالية الكلاسيكية التي كانت أقرب إلى فكر «التحريرية» الذي يقول بتقلّص أو غياب دور الدولة في الاقتصاد وفي الحيّز الخاص. أمّا المعنى الثاني للّيبرالية الذي ظهر في الولايات المتحدة في عهد فرانكلين روزفلت، فشدّد على دور الدولة في إنهاض الفقراء والطبقة الوسطية من دون أن يقضي على الفكرة الأساسية للرأسمالية، ومن دون أن تحدّ الدولة من الحريات الخاصة.<br />
أما ما جاءنا في العالم العربي من فكر ليبرالي، فكان شيئاً مختلفاً تماماً: فلا هو قريب من المفهوم الكلاسيكي لليبرالية، ولا هو قريب من المفهوم المُستحدَث الذي اقتضته أزمة الرأسمالية الحادة في أوائل القرن العشرين. ولم يكن هذا الصعود للّيبرالية العربية التي هي يمين غير معدل في توجهاته وأهدافه وفي تمويله (قل لي من يموّل أقل لك من هو)، بريئاً أو عفوياً. ومن الواضح في استطلاعات الرأي العام في العالم العربي وفي نتائج الانتخابات، حين يُسمح بها طبعاً، أنّ الفكر الليبرالي وتوجّهاته ليسا سائدين بين الناس.<br />
<strong>ستيوارت ميل في خدمة أمراء النفط</strong><br />
وجهاز الدعاية السعودي الهائل، الذي يسيطر على جلّ وسائل الإعلام ودور النشر ومراكز الأبحاث على ضحالتها في العالم العربي، استعان كعادته بمجموعة من اللبنانيّين المتلوّنين (ولبعض الأقلام في لبنان باع طويل في الانتقال من الناصرية الى السعودية ثم الى الصدامية ثم العودة الظافرة الى الوهابية المجيدة المتصالحة، تمويلاً، مع الليبرالية العربية في تجلياتها المتعددة)، وذلك لبثّ فكر معادٍ للفكر الذي أنتج فكر «القاعدة» (مع أنّ عدداً لا بأس به من الليبراليين (أو المحافظين) العرب الجدد أتوا من خلفيات بن لادنية، مثل تركي الدخيل وجمال خاشقجي وغيرهما الكثيرين، مثلما انتقل شيوعيون لبنانيون ـــــ من تلامذة محسن إبراهيم ـــــ من الماركسية الى الحريرية).<br />
وتستطيع العائلة السعودية الحاكمة أن تلجأ الى أسلوب ملتوٍ يخوّلها أن تموّل في آن واحد الفكر اليميني الليبرالي (كما سمّاه مرّة جبران تويني من دون طول تفكير) والفكر الديني المتزمّت. ووسائل إعلام آل سعود تجمع بين ثقافة أليسا وفيفي عبده وبين ثقافة شيوخ الوهابية (كما يجمع فريق الحريري في لبنان بين ثقافة غزاة الأشرفية وبين ثقافة سوبر ستار، والثقافتان لا تتعارضان مع ثقافة حب الحياة التي تفنّن في إتقانها وليد جنبلاط. وأمّا تاريخ ميليشياه في القتل الطائفي بالفؤوس، فيُمكن أن يُفسَّر في باب «ومن الحبّ ما قتل»&#8230; بالفؤوس). وتجمع وسائل الإعلام هذه بين ابن باز ومن ورثه من المتعصبين المعادين للتنوير (يجب أن يصبح كتاب ابن باز في حكم التصوير جزءاً من المنهج المقرر لكل الدول العربية على الأقل من باب التفكّه) وتوماس فريدمان: واحد يتوجّه للجمهور الداخلي وآخر يثبت حسن السلوك السعودي أمام الحكم الأميركي.<br />
ويبرز تناقض واضح في كتابات الليبراليين العرب: فهم من ناحية يدّعون اعتناقاً لفكر جون ستيوارت ميل و«لسوق الأفكار الحرة»، ومن ناحية ثانية يروّجون وبصورة سوقية في كثير من الأحيان لمصالح السلالات النفطية الحاكمة في الخليج. ويؤمن رواد هذا الفكر بالدعوة الى الديموقراطية والى حرية الصحافة في بلدين في الشرق الأوسط فقط: إيران وسوريا، لأنّ باقي الأنظمة أنشأت دولاً فاضلة تنعم بحرية فكرية مطلقة (ويُلاحظ المرء أنّ الإعلام العربي الليبرالي اكتشف جوراً في الحكم الليبي بمجرد أن استحكم الخلاف بين النظامين السعودي والليبي).<br />
وتناصر الليبرالية العربية لفظاً الفكر الليبرالي، إلا إذا تعلّق الأمر بفضائل أمراء النفط. ولهذا، فإنّ الليبرالي العربي شاكر النابلسي وضع كتاباً في «أدب» الأمير خالد الفيصل، وفي حكمته. أما الوحيد بين الليبراليين العرب الذي لم يفهم اللعبة وأصولها فهو العفيف الأخضر (فتحاوي سابق قبل أن يؤدي دوراً في إنشاء مدرسة كادر للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين وقبل أن يكتشف الماركسية غير اللينينية وقبل أن يكتشف ما سماه المجالسية (ذات المنحى اللاسلطوي المبهم) وقبل أن يكتشف الليبرالية التطبيعية). فالأخضر ظنّ أنّ وسائل الإعلام السعودية التي فتحت صفحاتها له تسمح بتعدد الآراء، لكنّه فُصل من جريدة «الحياة» بعدما انتقد الـ(لا)عدالة الوهابية في قناة الجزيرة.<br />
ولا يفكّ لنا الليبراليون العرب طلسم الأحجية: كيف يزعمون الليبرالية والديموقراطية، وكيف يروّجون للحكومات الشخبوطية التكوين والمنشأ؟ وحده حازم صاغية ــــ وقد يكون الأكفأ بين جوقة الليبراليين العرب في التعبير والفعالية ـــــ أجاب عن التساؤلات التي لم تفت ذهنه الوقّاد. كتب قبل أسابيع أنّ فساد وأخطاء (أخطاء فقط، مثلما يتكلم وليد جنبلاط أو أياد علاوي عن «أخطاء الولايات المتحدة في العراق»، فالكلمة هي حدود المسموح به في التعبير لمن يشكل جزءاً من المنظومة السياسية الأميركية في المنطقة العربية) الحكومات العربية صحيحان، لكن الخيار الآخر هو «القاعدة». لم يكلّف صاغية نفسه عناء التوسّع. قال كلمته من باب رفع العتب. لكنّه لو أراد التوسّع لسألناه: ولماذا لا تنطبق المعادلة على أخصام النظام السعودي؟ أي، لماذا لا تنطبق معادلة التحالف مع الأنظمة القمعية على خصوم آل سعود مع أنّهم كلّهم في القمع سواء؟ ولماذا يصحّ التغاضي عن حكومات القمع في بعض الحالات لا كلها، إذ إن الليبراليين العرب هم مع الأزلية في حكم آل سعود ومع قلب النظام في سوريا، مع أن الانسجام الفكري يفرض ان يؤيدوا قلب كل الأنظمة القمعية؟ (وحازم صاغية صاحب نظرية مفادها ان المقاومة تؤدي الى البربرية والتخلّف، إلا أنه لم يشرح لنا أسباب التخلف والظلامية في السعودية حيث انعدمت المقاومة).<br />
لكن السؤال الثاني المطروح أمام حازم صاغية فيُطرح من قبيل الاعتراض على هذا الاختزال العشوائي للرأي العام العربي (حتى لا نقول «الشارع العربي» كما تفضّل وسائل الإعلام هنا): هل هذه هي بالفعل الخيارات المتاحة أمام الرأي العام العربي؟ إمّا آل سعود (أو مبارك أو الأسد&#8230; إلخ) وإمّا بن لادن؟ هل هذا معقول؟ ولماذا لا يناضل الليبراليون العرب إذاً من أجل تشكيل خط ثالث لا صلة له بآفات الخط الأول أو الثاني؟ طبعاً، يكمن الجواب في الدور المرسوم لليبرالية العربية من حيث توجيهه رسائل سياسية مباشرة لواشنطن. وليس من الصدفة أن جريدتي الشرق الأوسط (التابعة للأمير سلمان) والحياة (التابعة للأمير خالد بن سلطان) أنشأتا مواقع بالإنكليزية لترجمة ما يُكتب ـــــ أو ما يُنتقى مما يُكتب ـــــ في الجريدة في باب إسعاد بوش، مع بعض الانتقادات الملطفة التي تصور في مقالات جهاد الخازن بوش سجيناً رغماً عنه لثلة من المحافظين الجدد (وهذا التحليل الذي يركز على المحافظين الجدد يبسّط أيّما تبسيط عملية صنع القرار في البلاد هنا). وتدخل كتابات الليبراليين العرب في باب قول ما تريد واشنطن سماعه، مع توفير عناء الترجمة على من هو مُولج بشؤون الإعلام العربي في الحكومة الأميركية.<br />
وتعتمد سياسة تشجيع هذا النسق من اليمينية المتدثرة برداء الليبرالية على أكثر من رشة من النفاق: فهناك كلام على فصل الدين عن الدولة وعلى حرية المرأة، وهناك قسط لا بأس به من السخرية من أنظمة تناوئ السعودية، في الوقت الذي تستميت فيه هذه الوسائل الإعلامية في الدفاع عن حكم سلالات النفط. وتنكشف اللعبة بلا مواربة في تأبين هذا الشيخ أو ذاك الأمير: عندها يتبارى الليبراليون العرب في تعداد مزايا وفضائل المتعدّد الزوجات والمساجين السياسيين، ليعودوا في اليوم التالي إلى الحديث عن الديموقراطية وعن حرية المرأة، ولا من يلاحظ ولا من يلاحظون.<br />
لكن الليبرالية العربية تقوم بدور سياسي مباشر (مثل تقريظ شاكر النابلسي البريء عن الهوى في شعر الأمير خالد الفيصل) وغير مباشر في الدفاع عن مصالح الأنظمة العربية (ويتوزّع الليبراليون العرب في ولائهم على عدد من سلالات الخليج، فمنهم من يتخصّص في مديح آل صباح وآخر في آل نهيان والكثرة في مديح آل سعود)، لكن العرض يفوق الطلب بكثير هنا، وخصوصاً في ظلّ وجود الأقلام اللبنانية المتأهّبة دوماً ـــــ كم أسالت حبراً في مديح صدّام ثم انقلبت عليه بعدما توقّف عن الدفع.<br />
<strong>ما بعد 11 أيلول</strong><br />
لكن أحداث 11 أيلول زادت من حاجة أجهزة الدعاية السعودية الى أقلام الليبرالية العربية. فقد ظهرت حاجة ماسة لتسخير أقلام من أجل دحض كتابات السلفية المتطرفة، التي كانت لسنتين خلتا ـــــ أو أقلّ لا ندري، فلنسأل آل الحريري الكرام ـــــ مدعومة من الجهات السعودية نفسها، وخصوصاً أنّ التنظيمات السلفيّة العنفيّة انقلبت على راعيها. والسبب الثاني يعود الى إصرار الحكم السعودي على إرضاء الولايات المتحدة (حكومةً وإعلاماً ورأياً عاماً) بعد 11 أيلول. فالهلع الذي أصاب الدبلوماسية السعودية، وخصوصاً بعد تنامي الأصوات المندّدة بالتحالف الأميركي ـــــ السعودي في أميركا، بالإضافة إلى أخذ كلام بوش على الديموقراطية على محمل الجد (طبعاً، عادت السعودية واطمأنّت إلى عدم جدية الدعوات الأميركية الى الحرية في العالم العربي، وخصوصاً بعد تدفّق سيل الأسلحة والزيارات الأميركية للمملكة)، ووجدت العائلة الحاكمة نفسها في موقع الدفاع عن النفس وأخرجت مسرحيات الإصلاح عبر انتخابات بلدية في المملكة لا حول ولا قوة ولا صلاحية لها.<br />
لكن الدعاية السعودية دخلت في إطار اتفاقية (معلنةً كانت أو مضمرةً) بين الحكومة الأميركية والحكومة السعودية: إذ إن الحكومة الأميركية أصيبت بهاجس الدعاية المتوجهة للرأي العام العربي والإسلامي. لكن الملايين التي أُنفقت في تلفزيون الحرّة وإذاعة سوا لم تينع ثمارها ولم تُزهر. فكان أن سخّرت السعودية كل وسائل إعلامها لخدمة الدعاية الأميركية وأهداف حروب بوش المستمرة. ولم يكن صدفة أنّ الإدارة الأميركية أقامت مركز دعاية متخصّصاً في دبي، مقر تلفزيون العربية الذي خلف بصورة غير رسمية تلفزيون الحرة بعد اندثاره. وتسخير وسائل الإعلام العربية (السعودية التمويل) من أجل وسائل الدعاية الأميركية يحتّم وجود الليبراليين العرب لتجنب الإحراج أو الخطل. وهؤلاء، تقتضي الأمانة القول، يعرفون حدودهم ويحترمون مقاييس الراعي. فهم يطبقون معايير الليبراليّة (اللفظية) على تلك الدول التي تختلف مع المشيئة الأميركية ـــــ السعودية فقط.<br />
مرّت الحياة الفكرية والسياسية في العالم العربي بمراحل مختلفة، وارتبطت كل تلك المراحل بتأثير الصهيونية وتحدياتها على العالم العربي. واليوم، تعتمد الإمبراطورية الأميركية على أصوات تدّعي الليبرالية، وهي في الواقع وفي العلن أصوات يمينية متحالفة مع الأنظمة الطاغية في المنطقة، ومع عتاة اليمين في الغرب (وهؤلاء البرلمانيون الذين يشرّفون وطن الأرز والكستناء بزيارات دورية غالباً ما يأتون من أحزاب اليمين العنصري، لكن اللبناني ضعيف أمام الرجل الأبيض). وهي تؤمن بورع شديد بوصفات البنك الدولي. والمؤسف أن أزمة اليسار العربي، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة وبدء حروب بوش الساخنة، أرفدت فكر اليسار في مجرى الليبرالية العربية، وبعضها عن غير قصد. وما بقي من الحركة الشيوعية العربية ينزع نحو الليبرالية نتيجة الارتباك الفكري الذي اعترى صفوفها. لكنّ هذا النزوع يخدم روافد اليمين في الحياة السياسية العربية. والطور الثاني من حركة اليمين الليبرالي لن يُكتب له النجاح لأنّه لا يعبّر عن حركة شعبية حقيقية، وإنّما هو تعبير عن حاجة ظرفية آنية عندما تنتفي الحاجة إليه، ينتهي الأمر به كما انتهى الأمر بتلك الحركات السلفية العنفية التي نُصّبت ولسنوات من قبل سلالات النفط لمواجهة المدّ القومي واليساري، قبل أن ينقلب العنف على العنيف المُعَنف.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2007/08/07/%d8%b7%d9%8e%d9%88%d9%92%d8%b1%d9%8e%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%8a%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>باكستان&#8230; أوّلاً</title>
		<link>http://angryarab.net/2007/08/02/%d8%a8%d8%a7%d9%83%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84%d8%a7%d9%8b/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2007/08/02/%d8%a8%d8%a7%d9%83%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84%d8%a7%d9%8b/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 02 Aug 2007 07:00:59 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=373</guid>
		<description><![CDATA[إذا كان أنور عبد الملك قد وصف مصر في الستّينيات بأنّها «مجتمع عسكري» فيمكن القول إنّ باكستان هي مجتمع عسكري جداً. الوافد إلى باكستان يلحظ الطبيعة العسكرية للبلد في الطائرة قبل أن تطأ قدماك أرض البلاد، إذ إن التحذير من التصوير من الجو يصدر في المذياع بمجرد أن تبدأ الطائرة بالهبوط من العلو الشاهق نحو [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">إذا كان أنور عبد الملك قد وصف مصر في الستّينيات بأنّها «مجتمع عسكري» فيمكن القول إنّ باكستان هي مجتمع عسكري جداً. الوافد إلى باكستان يلحظ الطبيعة العسكرية للبلد في الطائرة قبل أن تطأ قدماك أرض البلاد، إذ إن التحذير من التصوير من الجو يصدر في المذياع بمجرد أن تبدأ الطائرة بالهبوط من العلو الشاهق نحو مطار إسلام أباد. والقوات العسكرية الباكستانية منتشرة في كل أنحاء العاصمة: تحت الأشجار، وعلى المفارق، وفي الأحياء، وعلى مدخل كل الفنادق. والإجراءات الأمنية حول المرافق العامة في إسلام أباد تفوق الاجراءات الأمنية في بيروت. وتلحظ ان المعدات العسكرية الباكستانية والسيارات والناقلات تبدو بدائية مقارنة مع ما هو في دول مجاورة. يشرحون لك ان الموازنة العسكرية الضخمة تُرصد في معظمها للأسلحة الباهظة الأثمان من صواريخ وغواصات لتسهيل تحميل السلاح النووي إذا ما دعت الحاجة.<br />
وعلى الرغم من الصورة العسكرية السائدة للحكم، فإنّ الحاكم العسكري في إسلام أباد، يستعين ببعض المدنيّين لنشر صورة ملطفة عن حكمه. ورئيس وزراء باكستان، شوكت عزيز، لم يكن معروفاً هنا، ولا يعرف الباكستانيّون كيف هبط عليهم هذا المصرفي، وكيف استُحدث له منصب نيابي في انتخابات فرعية سافرة في تزويرها: كان مديراً في مصرف «سيتي بانك» في نيويورك قبل أن يهبط بالباراشوت على البلاد ـــــ هل هي الصدفة أن مصرفياً آخر يشغل منصب رئيس وزراء لبنان، بينما كان سلام فياض مديراً في البنك الدولي؟ طبعاً، الثلاثة معروفون بحبّهم للفقراء، بالاضافة الى تربيت جورج بوش شخصياً على كتفهم.<br />
تعاملت باكستان في شهر تموز الحار مع مشكلة «لال مسجد» (المسجد الأحمر) في الوقت الذي كان فيه لبنان يتعامل مع مشكلة نهر البارد. كنا بحاجة إلى خبر سطو على مصرف في إسلام أباد لتكتمل الصورة. وأبدت الحكومة الأميركية أيّما حماسة في تأييدها للحكومتين، اللبنانية والباكستانية (حصلت باكستان على أكثر من 10 مليارات دولار من المساعدات العسكرية الأميركية منذ 11 أيلول)، وأمدت الجيش اللبناني والباكستاني بما يحتاج إليه من صواريخ وقذائف. لكن التوقيت (أي توقيت الجسر الجوي الأميركي) كان صدفة، كما شرح لنا وأقنعنا وزير الدفاع اللبناني (الذي هدد في عدوان تموز بتعليم اسرائيل درساً لن تنساه إذا ما دخلت القوات الاسرائيلية أرض لبنان، ثم اختفى عن الأنظار تاركاً للمقاومة مهمة الدفاع عن أرض الوطن). والخطاب الباكستاني عن مجموعة الجامع الأحمر تماثلت مع الخطاب اللبناني: «إرهابيون، يا أميركا. عليكم دعمنا». كنا ننتظر إهراقاً لدموع شوكت عزيز.<br />
لكن حكاية ظاهرة المدارس الدينية في باكستان حكاية تتقاطع مع قصة الحركات الدينية المتطرفة في العالم العربي. القصة باتت معروفة: الحكم السعودي والحكومات الأميركية المتعاقبة تعاونا على دعم مجموعات أصولية متطرفة وتمويلها وتسليحها طوال الحرب الباردة، وذلك لتقويض نفوذ اليسار والقومية العربية. والحكم السعودي كان شريكاً في حكم ضياء الحق الذي فتح أبواب باكستان أمام المدارس الدينية التي نشرت أفكاراً وهابية كانت بعيدة كل البعد عن التراث الإسلامي في شبه القارة الهندية. ومؤسس باكستان الحديث، محمد علي جناح، كان واضحاً في شرحه لوضع الدين في دولة باكستان عندما توقع أن يأتي يوم لا يبقى فيه الهندوسيون هندوسيين والمسلمون مسلمين «وذلك ليس في المعنى الديني لأن هذا الأمر يبقى الإيمان الشخصي للفرد، بل بالمعنى السياسي كمواطنين في دولة واحدة». لكن الاجتياح السوفياتي لأفغانستان وبدء المشروع الاميركي ـــــ السعودي غيّر من كل المعادلات وتزامن مع الإلهام الديني لضياء الحق («نوبة الدين» كما سماها جمال عبد الناصر معلّقاً على سياسة الملك حسين الإسلامية في الستينيات). وتستطيع أن تتبيّن التأثير السعودي في إسلام أباد: من أسماء بعض الشوارع، إلى مسجد فيصل ذي التصميم المغلق خلافاً لتصميم المساجد التقليدي الرحب، الذي ينفتح نحو السماء، في بعدين في المكان (يشكو الباكستانيون من غياب المساعدات السعودية في السنوات الماضية).<br />
الجنرال بوشرّف<br />
يعتبر الجنرال مشرف جزءاً من سياسة بوش في المنطقة. وهو ذكر في مذكراته ان خياراته كانت محدودة، إذ إن نائب وزير الخارجية الاميركي، ريتشارد أرميتاج، نقل إليه بعد 11 أيلول تهديداً مباشراً بتدمير بلاده إذا لم تنصع باكستان للشروط الاميركية كاملة. والجنرال (الذي كان صديقاً لرفيق الحريري الذي أهداه سيارة مصفحة تقيه من صيبة العين، وصداقة الحريري مع مشرف لا تختلف عن صداقة السنيورة مع أبو مازن ـــــ حلفاء بوش يحب بعضهم بعضاً كما يحبون الحياة) حصل بالمقابل على تغطية كاملة لقمعه وخرقه حقوق الانسان، وهذا جزء أساسي من السياسة الخارجية الاميركية منذ الحرب العالمية الثانية، إذ إن الحكومة الاميركية لا تهتم بحقوق الانسان في بلد معين إلا إذا عارضت حكومة هذا البلد السياسة الاميركية، وهذا يفسر لماذا تبدي الولايات المتحدة قلقاً من مجرد إهانة معارض في هافانا، في الوقت الذي تتجاهل فيه قطع الرؤوس ورجم العشاق في السعودية.<br />
والجنرال مشرف كان جزءاً من المؤسسة العسكرية ــــــ الاستخبارية التي دعمت الإسلام «المجاهد» في الحرب ضد الجيش السوفياتي في أفغانستان (ودعمت تلك المؤسسة حركة طالبان منذ ولادتها)، مثلما هو يحارب اليوم تلك التنظيمات التي شارك في دعمها في الماضي. وقد يذكّر هذا بأسلوب آل الحريري الكرام في لبنان، لكن العائلة معذورة فهي تسعى وراء «الحقيقة»، وهي كلمة ملطّفة للثأر ـــــ الهدف الحقيقي للعائلة.<br />
وكما في لبنان والأردن، كذلك في باكستان. فالجنرال مشرف، أو «بوشرف» كما يسمونه هنا في باكستان، يرفع شعار «باكستان أولاً». ويُراد من الشعار فصل الهمّ الشعبي الباكستاني عن هموم عموم المسلمين والمسلمات، كما يُراد من رفع شعار «لبنان أولاً» أو «الأردن أولاً» فصل عرى العلاقة بين أهل البلدين وبين عامة العرب والمسلمين (والمسلمات). وهذه الشعارات «القطرية» ـــــ بلغة القومية العربية ـــــ المتزمتة تبدو منتشرة في الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة حيث تسيطر عقيدة بوش، وحيث تسعى شركة «ساتشي وساتشي» إلى مساندة الادارة الاميركية وآل الحريري في سياساتهم وحروبهم وفي فتنهم الطائفية والمذهبية. فهل هناك من علاقة بين هذه الشعارات، أم ذلك من باب الصدفة؟ إنها الصدفة طبعاً، إلا إذا كنتم من أدعياء نظرية المؤامرة. لكن منظري 14 آذار علمونا ان ليس هناك من مؤامرات في العالم باستثناء مؤامرة النظام السوري. أما ما عدا ذلك فيدخل في حيز عطف المجتمع الدولي، وهو شديد العدل والإنصاف والحنوّ.<br />
تعاطف مع القضايا العربية<br />
لكن جو الثقافة السياسية والشعبية في باكستان صعب الاختراق، وهو مشبع بعقيدة دينية (متأثرة بالوهابية في تزمتها لكنها معارضة للحكومة السعودية بسبب سياستها الخارجية وفساد عائلتها الحاكمة). والتعاطف مع «القاعدة» شامل في البلاد، وذلك من منطلق العداء لكل ما يتعلق بالسياسة الاميركية. والشعب الباكستاني شديد التعاطف مع الشعب الفلسطيني ـــــ لكن من منطلق ديني حتى لا نقول طائفي، ويؤكد المثقفون هنا أن باكستان لن تقيم علاقات مع اسرائيل، حتى لو فعلت ذلك كل الدول العربية. وكان الكونغرس الاميركي قد ضغط على مشرف كي يطبّع مع اسرائيل، إلا ان موقف الرأي العام، حتى الليبرالي منه، كان رادعاً. ويسألك طلاب الجامعات في باكستان عن محمد دحلان وعن هؤلاء العرب الذين يتعاملون مع اسرائيل. تنمّ أسئلتهم عن احتقار شديد لأبو مازن. لكن فهمهم الديني للمسألة الفلسطينية مزعج للقادم من العالم العربي. وقد فتح طالب فاه مندهشاً، عندما حدّثته عن تاريخ الوجود والنضال المسيحيّيْن في فلسطين.<br />
ولا يبدو ان الحملة الاميركية ــــــ السعودية ــــــ الحريرية لإذكاء نار الفتنة بين السنّة والشيعة قد فعلت فعلها، إذ إن الجمهور الباكستاني يتعاطف بقوة مع حزب الله، ويسأل باهتمام عن حسن نصر الله (نأسف إذا كان هذا سيزعج وليد جنبلاط الذي يعاني هاجس شعبية نصر الله العربية والاسلامية). وفي محاضرة للكاتب في الجامعة الاسلامية العالمية في اسلام أباد، اعترض الملحق الثقافي الايراني على قولي (رداً على سؤال في هذا الخصوص من أحد الطلبة) إنه ليس هناك من مثال إسلامي أو عربي مُحتذى للحكم (باستثناء تلك التجربة الفذة في الحكم التي مثّلها أحمد فتفت ـــــ ما غيره ـــــ في وزارة الشباب والرياضة)، ورد بالقول ان الجمهورية الاسلامية في ايران هي هذا المثال، حسب قوله. فردّ الجمهور في القاعة على كلامه بالتصفيق، وخصوصاً عندما قارن بين سياسة بلاده وبين سياسة الدول العربية «المعتدلة» نحو قضية فلسطين. هذا لا ينفي وجود بذور طائفية في البلاد، وينعكس هذا التزمت الديني في قمع الأقلية الأحمدية.<br />
وتسألك طالبة في الجامعة، وأمام حشد طالبي، عن سبب «العنصرية العربية ضد الشعب الباكستاني»؟ ماذا تقول عن هذا الموضوع؟ هل تكذب وتنفي وتدعي ان المجتمع العربي يتعامل مع الناس، كل الناس، على أساس انهم سواسية «كأسنان المشط»؟ كيف يمكنك ان تنفي شبه العبودية السارية في دول الخليج، حيث يحتل الباكستانيون والهنود أسفل سلم التراتبية الهرمية القائمة على أساس الطبقة والعرق والجنسية؟ ويشكو أهل باكستان من عنصرية عربية تصيبهم بمجرد هبوطهم في المطار. ففي مطار دبي تُعزل الطائرات الوافدة من باكستان، وكأنّ ركابها مصابون بالجذام. ومدينة دبي، التي لا تلقى إلا التعظيم في الصحافة العربية وحتى الغربية، ما هي إلا نموذج لمدينة تعتمد في بنائها وإدارتها وتسييرها على استغلال العمّال المستورَدين، كما أُعيد إعمار مدينة بيروت بسواعد العمال السوريين الفقراء (لا بسواعد الأثرياء). ولاستغلال العمال الباكستانيين والهنود في منطقة الخليج (حتى لا نتحدث عن استغلال الخادمات الآسيويات في بلد الأرز، إذ كان حرياً بمن كان يتحدث عن تحرير لبنان ان يحرر الخادمات في منازلهم ومنازلهن) بعد طبقي وبعد عنصري يتعلّق بعنصرية مبنية على أساس الجنسية والبشرة.<br />
تحالف القمع والليبرالية<br />
يبدو الحكم القمعي في باكستان، على غرار الحكم القمعي في العالم العربي، متحالفاً مع الليبرالية الباكستانية، إذ إن الليبراليين يزايدون على بوش في رغبتهم في القضاء على التيار الديني، المعتدل والمتطرف. وقد أصدرت التيارات المنضوية في إطار المجتمع المدني بياناً قاسياً طالبت فيه الحكومة بعدم الرحمة في التعامل مع تمرّد الجامع الأحمر (وأيّد بعض المجتمع المدني في لبنان دكّ مخيم نهر البارد). وتسود معادلة تحالف الليبرالية مع الحكم القمعي في أكثر من بلد، وهي تشير الى انفصام طبقي بين الخلفية الاجتماعية للمعنيين بجمعيات المجتمع المدني وبين الخلفية الاجتماعية للذين ينضوون إلى منظمات يعتبرها ياسر عبد ربه متخلفة ـــــ وهو كما هو معروف خبير في شؤون الحضارة والرقي. أليس هو من وقّع على اتفاقية جنيف التي تخلت حضارياً عن حق العودة وكرّست، حضارياً أيضاً، الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية؟<br />
لكن يبدو ان الأنظمة القمعية وحلفاءها من رواد المجتمع المدني في واد وأكثرية الشعب في واد آخر. وقدرة الجنرال مشرف على الاستمرار في الحكم محفوفة بمخاطر لا تستطيع شحنات الأسلحة الأميركية أن تتجاوزها، كما ان شحنات الأسلحة الأميركية لم تحلّ أزمة السنيورة المتفاقمة. والرأي العام الباكستاني ينزع نحو التطرف ونحو كل من يرفع شعارات معادية بالمطلق لأميركا. وتبدو تطلعات الرأي العام الباكستاني واضحة في التأييد العارم للعمليات الانتحارية. وفي محاضرة في مؤسّسة الدراسات السياسية التابعة للجماعة الاسلامية (وهي غير الجماعة الاسلامية ــــــ فرع الحريري في لبنان)، اعترض الجمهور (المعتدل نسبياً بمقياس الحركات الاسلامية في باكستان) على نقد العمليات الانتحارية. فقد أصبحت تمثل بالنسبة إليهم رداً استفزازياً مناسباً للحروب الاميركية. وحين تشرح لهم ان مقاومة الاحتلال الاسرائيلي في لبنان لم تلجأ إلا لماماً للعمليات الانتحارية، لا يبدون مقتنعين (أو مقتنعات). وباكستان، كمصر، تبدو متهيّئة لليوم الذي سترث فيه الحركات الاسلامية السلطة، وهي لا تبدو مستعجلة، مثل حالة الاخوان في مصر.<br />
أمّا الجنرال مشرف، فيبتاع الوقت، كما يقولون. يحاول ان يبقى في السلطة من دون أن يغضب ادارة بوش. وهو يعلم ان الهدف الاميركي يكمن في تنفيذ ما يُطلب منه، وان تنفيذه للمطالب يزيد من تأييد الادارة الاميركية لخروقات حقوق الإنسان في باكستان. أكثر من ذلك، فإنّ الادارة الاميركية تطالب مشرف بمزيد من القمع. لكن تنامي الغضب الشعبي على حكومة باكستان، بالاضافة الى الفساد المستشري، يهدد قدرة النظام على الاستمرار في موالاة الإدارة الأميركية التي تطالب بمزيد من التنازلات (لمصلحتها هي لا لمصلحة الشعب الباكستاني)، وهي تقوم بالاتصال ببنازير بوتو، وذلك للضغط على نظام مشرف. وتحاول بوتو اليوم الظهور بمظهر الليبرالية المنفتحة مع أنّ جهاز الاستخبارات القوي، ما يسمى بـ«استخبارات ما بين الأجهزة»، أي.إس.آي.، تبنّى حركة الطالبان أثناء حكم بوتو التي لم تردع الاتجاهات المتطرفة لجهاز الاستخبارات (وهو غير جهاز المعلومات في لبنان). لكن لمَ العجب؟ حتى الحكم السعودي وأبواقه اللبنانية في الإعلام العربي يدّعون الليبرالية والانفتاح اليوم، وكل ذلك من أجل إسعاد بوش. لكن لم يبق من سنوات بوش العجاف إلا سنة أو أكثر بقليل، أو حتى أقل بكثير لأنّ السنة الأخيرة من حكم الولاية الثانية تُحسب ضد الرئيس لا له.</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2007/08/02/%d8%a8%d8%a7%d9%83%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84%d8%a7%d9%8b/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>ردّ على الردّ: عن «الشيعة وسعد الحريري»‏</title>
		<link>http://angryarab.net/2007/07/26/%d8%b1%d8%af%d9%91-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af%d9%91-%d8%b9%d9%86-%c2%ab%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%b3%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d9%8a%c2%bb/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2007/07/26/%d8%b1%d8%af%d9%91-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af%d9%91-%d8%b9%d9%86-%c2%ab%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%b3%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d9%8a%c2%bb/#comments</comments>
		<pubDate>Thu, 26 Jul 2007 07:00:46 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=371</guid>
		<description><![CDATA[اعترض السيّد عبد الله رزق على مقالتي المنشورة في «الأخبار» تحت عنوان «من ينقذ الشيعة (غير سعد ‏الحريري)؟».‏
أوّلاً، يردّ الكاتب على العنوان قائلاً إنه يرفضه. لكن ليس لكاتب أن يرفض عنوان كاتب آخر أو صياغته، إلا إذا ‏كان الكاتب يرى أنّ على الكتّاب في لبنان اليوم أن يعرضوا مقالاتهم على لجنة مركزية في قريطم، للقبول [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">اعترض السيّد عبد الله رزق على مقالتي المنشورة في «الأخبار» تحت عنوان «من ينقذ الشيعة (غير سعد ‏الحريري)؟».‏<br />
أوّلاً، يردّ الكاتب على العنوان قائلاً إنه يرفضه. لكن ليس لكاتب أن يرفض عنوان كاتب آخر أو صياغته، إلا إذا ‏كان الكاتب يرى أنّ على الكتّاب في لبنان اليوم أن يعرضوا مقالاتهم على لجنة مركزية في قريطم، للقبول أو ‏الرفض، ولاختيار العناوين. له ألا يستسيغ العنوان، لا أن يرفضه. كذلك لي ألا أستسيغ عنوان مقالته لا أن أرفضها.‏<br />
ثانياً، يسهّل الكاتب مهمتي في الرد. فهو من ناحية يعترض على وصفي للتيار المذكور بأنّه ملحق بآل الحريري ‏وماكينته السياسية، ويعود من ناحية ثانية ليقول استهلالاً: «سعد الحريري يسعى لإنقاذ لبنان من براثن التمزّق ‏والفتنة». إذا كان القارئ بحاجة لإثبات ما سقته من توصيف للتيار المذكور، فقد أتى في الجملة المذكورة، ‏وللقارئ (وللقارئة) الحكم.<br />
ثالثاً، يعترض صاحبنا على «التهكّم والسخرية»، وهما من صلب الحياة (أو ليسوا هم من محبّي الحياة؟) ومن صلب ‏التعبير الأدبي، العربي خصوصاً.<br />
رابعاً، يقول الكاتب إنّ الشيعة ليسوا في مأزق ولا في حاجة إلى إنقاذ. هنا أفهم أسباب اعتراض الكاتب على ‏السخرية وعلى المفارقة لأنّ تضاعيفها وثناياها تفوته، يا للأسف. فأنا تكلّمت على المأزق من منظور تعامل ‏السلالة الحاكمة وخطابها، وبصورة ساخرة من خطابهم هم، لا من واقع الشيعة.<br />
خامساً، ينفي الكاتب صفة الطائفية عن تيّاره. لكن هل هي الصدفة إذاً التي فرضت الصفاء الطائفي على من حضر من قادة التنظيم وأعضائه؟ (طبعاً، يمكنه أن يزعم أنّ التيار موجود بقوة، لكن بسرية في كل ‏الطوائف، فيما يبدو أنّهم لم يتلقوا دعوات إلى حضور الإعلان الطائفي).‏<br />
سادساً، يضيف الكاتب المتنوّر طبعاً كلاماً عن الشيعة وتاريخهم يدخل في باب الديماغوجية الطائفية، وهذا باب ‏أرفض مبدئياً أن أدخل فيه. ويراوح الكاتب بين ادّعاء المدنية (هل أحمد فتفت ـــــ ما غيره ـــــ مثال للدولة ‏المدنية، نسأل؟) وبين الكلام الطائفي المبتذل، وهو سهل التداول في الحياة السياسية اللبنانية.‏<br />
سابعاً، بعد أن يدرج الكاتب كلاماً على تاريخ الشيعة ـــــ والتيار غير طائفي، حتى لا ننسى ـــــ يؤكّد أنّ مطلب التيار هو ‏لبنانيّ «بامتياز». حسناً، إذا كان المطلب لبنانياً بامتياز، فلماذا استثني غير الشيعة من الدعوة إلى الانخراط في التيار، أو ‏على الأقلّ حضور حفلة إطلاقه العرمرمية؟ يعود الكاتب ليقول إنّ سبب حصرية الدعوة بالشيعة يعود إلى «غنىً» ‏في التراث الشيعي، وفي هذا الكلام إهانة للطوائف الأخرى، وكأنّ تراثها يعاني الفقر والضحالة. ثم مطلب دعم الجيش: هل هناك من لا يدعم الجيش في لبنان اليوم ومن لا يؤيد دكّه ‏بالمدفعية الثقيلة لمخيم الفقراء في البارد؟ إلا إذا كان المراد المزايدة ليس إلا.‏<br />
ثامناً، أخذ الكاتب عليّ انتقادي للتيّار المذكور واتّهمني بأنّني أدخل في منطق بوش أو بن لادن («إمّا معنا أو ضدّنا»). ‏لقد التبس الأمر على الكاتب وتشوّشت الرؤية أمامه، ربّما بسبب عدم فهمه للسخرية في الكتابة. لم أفهم هذا الاتهام ‏خصوصاً أنّني أنتمي إلى اليسار العلماني (اليسار الحقيقي، لا يسار الحريري المتمثّل في الياس عطالله طبعاً) لا إلى ‏الحركات السياسية السائدة في أوساط الشيعة في لبنان. كذلك لم أستعمل عبارات التخوين التي يجيدها من يدافع ‏عنه (سعد الحريري) والذي يصف من يعارض مرشّحيه في أية انتخابات بـ«القتَلة».‏<br />
تاسعاً، عندما تحدّثت عن تماسك في الرأي العام الشيعي، كنت ألجأ إلى مصطلحات علميّة في دراسة الرأي العام. أي ‏إن كلامي كان وصفياً، لا تقويمياً. وأنا أرفض مبدأ التماسك أو التراصّ في الرأي العام، وهو مفسدة من سمات ‏المجتمع الطائفي في لبنان. لكن التنوّع في الرأي واتّساع مروحة الآراء يجب أن يأتيا عفوياً وتلقائياً، لا بإيعاز ‏مالي.‏<br />
عاشراً، الحديث عن الدولة المدنية لا معنى له ممّن يؤيّد العائلة التي أدّت دوراً من أخطر الأدوار في التأجيج ‏الطائفي والمذهبي. لا يستطيع فؤاد السنيورة، الذي ماثل الزرقاوي في لجوئه إلى ملاذ الطائفية، مثلاً، أو من ناصره، أن يرفع راية الدولة المدنية.‏<br />
حادي عشر، يعود كاتبنا إلى الديماغوجية في كلامه على «رفع تحية إكبار واعتزاز بالجيش والقوى الأمنية&#8230;» ثم ‏يتساءل عن سبب إهمالي للبيان السياسي. لم أكن أدري أنّ تحيّات الإكبار والاعتزاز تدخل في باب الفكر السياسي. ‏فمن واجبنا نحن الذين ندرّس مادة العلوم السياسية أن نُدخل موضوع «تحيات الإكبار والاعتزاز» في المنهج المقرّر. ‏فاتنا ذلك. نعد أن نعامل باسم السبع من الآن فصاعداً، مثلما نعامل مفكّرين من طراز ماركس وروسو ولوك.‏<br />
ثاني عشر، يتحدّث كاتبنا عن رفض التمييز المذهبي، لكن كلامه على الحريري يضفي شكّاً على ‏صدقية الكلام.‏<br />
ثالث عشر، يسخر الكاتب في نهاية ردّه من النضال ضدّ الإقطاع السياسي. وهذا يؤكد المنحى السياسي للّقاء المذكور. ‏ويستطيع اللبنانيون واللبنانيات من مختلف الطوائف أن يفاخروا في نضالاتهم ضد الإقطاع السياسي على مر القرون. فخر لهم، هذا النضال. وصاحبنا، صاحب الكلام على الدولة المدنية، يريد للتاريخ أن يعود القهقرى لإعادة تنصيب ‏عائلات الإقطاع. وهنا، يحضرنا استشهاد ماركس الشهير بهيغل في مستهلّ كتابه «18 من برومير لويس بونابرت».</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2007/07/26/%d8%b1%d8%af%d9%91-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af%d9%91-%d8%b9%d9%86-%c2%ab%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d9%88%d8%b3%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d9%8a%c2%bb/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>هل كان للعدوان على لبنان من أعوان؟</title>
		<link>http://angryarab.net/2007/07/18/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a3%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%86%d8%9f/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2007/07/18/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a3%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%86%d8%9f/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 18 Jul 2007 07:00:03 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=369</guid>
		<description><![CDATA[تمرّ الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي على لبنان في جوّ سياسي ملبّد. فالأكثرية الحاكمة، بإرادة الراعي الأميركي، لا تزال تتعامل مع مقاومة الاحتلال وكأنها مخجلة ومحرجة للوطن. وعندما وقّع فؤاد السنيورة قبل شهرين أو أكثر (وأحمد فتفت ــــــ ما غيره ــــــ إلى جانبه) عريضة إماراتية لنصرة القدس، أثنى على العريضة وعلى العرائض وطالب بأساليب «حضارية» [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">تمرّ الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي على لبنان في جوّ سياسي ملبّد. فالأكثرية الحاكمة، بإرادة الراعي الأميركي، لا تزال تتعامل مع مقاومة الاحتلال وكأنها مخجلة ومحرجة للوطن. وعندما وقّع فؤاد السنيورة قبل شهرين أو أكثر (وأحمد فتفت ــــــ ما غيره ــــــ إلى جانبه) عريضة إماراتية لنصرة القدس، أثنى على العريضة وعلى العرائض وطالب بأساليب «حضارية» للنضال (ألم يحرّر الشعب الجزائري أرضه بالعرائض؟). وللأمانة، فإن وسائل نضال السنيورة الحضارية قد حرّرت مزارع شبعا (وهو يردّد كل أسبوع أن شيئاً ما تعدّه الأمم المتحدة بالنسبة إلى المزارع)، وقد تُحرّر فلسطين واللواء السليب في شهر أو شهرين.<br />
أمّا المقاومة فتبدو خجولة من مقاومتها. وهي تعطي أحياناً الانطباع بأنها قد تكون مستعدة للاعتذار من اللبنانيين واللبنانيات عن دفاعها المستميت عن الوطن. وقد تدخل أصول تقديم الشاي المحلّى بالحليب في صلب عقيدة الجيش التي تعمل السلالة الحاكمة على تغييرها. والبطريرك الماروني منشغل بأمور بيع الأراضي إلى غير اللبنانيين (يثيرون قلقه فقط إذا كانوا فلسطينيين)، وهو كان أقل اهتماماً بواقع احتلال إسرائيل للأرض اللبنانية.<br />
أما النائب وائل أبو فاعور (وهو، عليكم أن تتذكروا، تقدمي واشتراكي ومحب للحياة) فصرّح في حديث إذاعي بأن الخبر المهم (الذي يبدو أنه يقضّ مضجعه) هذه الأيام هو بيع الأراضي إلى (الضيوف؟) الشيعة في لبنان، الذين يحتاجون اليوم إلى إثبات لبنانية هويّتهم.<br />
المطران بشارة الراعي، بدوره، يتابع ملفّ «أسلمة» لبنان، ويزهو بإنجازات المارونية السياسية في البلاد. وفي الوقت نفسه، يمسك الوزير السبع (الخبير في أمر الانشقاقات الفلسطينية) بزمام الملف الأمني بمهارة لم نشهدها منذ وعد الرئيس سليمان فرنجية في بداية عهده اللبنانيين بالنوم وأبواب بيتهم «مفتوحة».<br />
الرئيس سليم الحص يطالب بتشديد الحصار على مخيم نهر البارد، والشعب والصحافة في لبنان شديدا الامتنان لنجاة هيفاء وهبي من حادث خطير.<br />
أما جريدة «النهار» (المتخصصة في أخبار العبقرية اللبنانية حول العالم وفي أخبار العباقرة اللبنانيين الذين «يكتشفون» علاجاً للسرطان بصورة أسبوعية)، فقد خصصت «دراسة» لرصد من جرؤ على الحديث عن معاناة فلسطينية في نهر البارد، في الوقت الذي كان فيه ريمون جبارة يشكك (في ملحق النهار) في وجود بريء فلسطيني واحد بين المدنيين الفلسطينيين. وكارلوس إدّه (الآتي إلينا من زعامة في البرازيل) لم يتقدم في تعلّم اللغة العربية: لعلّه يستعين بخطب مكتوبة بالعامية على طريقة الطفل المعجزة، ميشال معوض. والشعب اللبناني لم ينتهِ من بعث تحياته الحارة الى «عسكر لبنان». وكلما «دعس» الجيش على رأس مدني فلسطيني، رفع اللبناني رأسه عالياً. فوطن الأرز يرحب بكم، فقط إذا كنتم حضاريين.<br />
كم أخطأت المعارضة اللبنانية في تعاطيها مع الشأن اللبناني في السنة الأخيرة (وفي أكثر من مفصل). لكن الخطيئة الكبرى كانت في غياب المطالبة بالمحاسبة، لا بل غياب الإصرار عليها، جراء ما فعلته وما لم تفعله الحكومة اللبنانية أثناء العدوان (حتى لا نتحدث عن قبل وعن بعد). فبعد واحدة من أبشع الحروب التي يتعرض لها لبنان خلال تاريخ طويل من الحروب الإسرائيلية الوحشية (المدعومة دوماً من الولايات المتحدة ـــــ عفواً، أعني المجتمع الدولي إذ إن الأكثرية الحاكمة تطلق اليوم تسمية المجتمع الدولي على الحكومة الأميركية منعاً للإحراج) على لبنان، طلعت المعارضة بتحرّك باهت تحت شعار: «الثلث الضامن» (أو المعطّل أو&#8230; أو&#8230; لا همّ). «الثلث الضامن»؟ هل كان الشعار مزحة سمجة؟ البلد تعرض لعدوان أميركي ـــــ إسرائيلي مشترك (ومدعوم من سلالات الاعتدال العربية) وعبقرية المعارضة تتفتّق عن شعار «الثلث الضامن»؟ وزاد من سماجة المزحة أن المعارضة أبدت استعدادها للعودة إلى حكومة برئاسة فؤاد السنيورة إذا حصلت على هذا «الثلث الضامن».<br />
ونجح الفريق الحاكم (بإيعاز أميركي لا شك ــــــ أجل، أنا من أنصار نظرية المؤامرة المجاهرين) في وضع المقاومة نفسها ــــــ تلك التي أخذت على عاتقها الدفاع المستميت عن أرض لبنان في مواجهة شكلت أكبر إذلال للعدو الإسرائيلي في تاريخه، أكبر بكثير من مسرحية حرب تشرين الساداتية الإخراج ـــــ في موقع الدفاع عن النفس. الدفاع عن النفس؟ أن تنجح صحف التطبيع المبطّن في «النهار» و«المستقبل» في أن تطالب بمحاسبة من شكّل مقاومة الدفاع عن الوطن؟ كيف يمكن أن يسمح شعب لبنان لتلك الصحف بأن تجعل هدف السياحة (وهي سياحة داعرة في جانب منها وذلك لجذب رجال سلالات النفط) أثمن من أرض الوطن؟ تصوروا لو أن في فرنسا من عاب على مقاومة الاحتلال النازي أنها كانت مضرّة بالسياحة في فرنسا. هذا المنطق الذي تكرر ولم يتم التصدي له لأن المعارضة كانت مشغولة بـ&#8230; «الثلث الضامن».<br />
أما الشعب، وخصوصاً في المناطق التي طالها العدوان أكثر من غيرها، فقد طالب بالمحاسبة أثناء العدوان. ففي يوم مجزرة قانا الثانية تشكلت حشود عفوية وتوجّهت الى السرايا (قبل منعها من قبل حزب الله الذي منع أيضاً في اليوم نفسه تظاهرة كانت تتجه عفواً نحو السفارة الأميركية) حاملةً طلباً فورياً للمحاسبة، وهذا حق لشعب يعاني عدواناً وحشياً. كان يمكن عندها طلب محاسبة السنيورة قبل أن يتسنّى له في فترة لاحقة اللجوء الى أرخص وسائل التأجيج المذهبي والطائفي التي شهدها لبنان في تاريخه عندما حوّل السرايا الحكومية الى مصلّى تنطلق منه صيحات كان يمكن الزرقاوي أن يطلقها معه لو كان حيّاً (إذا كان صمويل جونسون يقول إن الوطنية هي الملاذ الأخير للرعاع، فإن هذا الملاذ هو الطائفية في لبنان).<br />
على العكس من ذلك، كانت المقاومة تبدي تردّداً (والمقاومة تستولي على السلطة في كل بلاد العالم، إلا في لبنان لأنّ المنطق الطائفي يفرض أن يتساوى المقاوم مع قدامى المتعاملين مع إسرائيل. والذين لوّحوا أخيراً بعلم الأرزة جنباً الى جنب مع العلم الاسرائيلي في تظاهرة نظّمها مصري إيطالي معروف بكتابته رسائل حب وهيام الى الدولة العبرية)، لا بل عبّرت المقاومة عن قبولها بالمحاسبة. محاسبة؟ هل كان يمكن شارل ديغول أن يُطالب بالمحاسبة لمعارضته النازية؟ ومن يُحاسب مَن في لبنان؟ المقاومة هي التي تُحاسب، وماذا عن الذين (واللواتي، حتى لا ننسى نايلة معوض التي ظنت أنها ستسارع الى قطف ثمار الحرب الاسرائيلية على لبنان في جلسة معروفة لمجلس الوزراء أثناء الحرب، عبر المطالبة بنزع سلاح المقاومة، لعل ذلك يعزز من إمكانية صعود ابنها النجيب الذي تحبه «الماما» كثيراً) تقاعسوا أو تواطأوا أو تآمروا (والكلمة الأخيرة مرفوضة في قاموس 14 آذار إلا إذا ما اقترنت بعبارة «السوري»)؟<br />
ولنبدأ بالسنيورة. لا يحتاج المرء إلى وثائق أو أدلّة لمساءلته في هذا الصدد. يمكن القول إن فؤاد السنيورة يتحمّل مسؤولية (غير مباشرة على أقل تعديل، ولكن أكيدة، وبالنيابة عن راعيه الأميركي) في تطويل الحرب الاسرائيلية على لبنان وفي منع وقف النار. وكانت الأسرة الحاكمة في لبنان تأمل وتتمنى أن تقوم إسرائيل بتدمير حزب الله. وكانت الحكومة الأميركية واضحة في سياستها تجاه العدوان الإسرائيلي على لبنان: فالصحافة الاسرائيلية ذكرت أن إدارة بوش بلّغت الحكومة الإسرائيلية رسمياً أن سقوط حكومة السنيورة (من جراء العدوان) يُعدّ خطّاً أحمر، وأن كل ما عدا ذلك مباح لها. هذا أبلغ دليل على مسؤولية السنيورة السياسية والأخلاقية. فهو كان يستطيع أن يوقف العدوان متى شاء لو أنه لوّح ــــــ فقط لوّح ــــــ بالاستقالة. لكن حساباته كانت متوافقة مع الحسابات الأميركية والإسرائيلية.<br />
كان القرار أن يُترك أمر تدمير حزب الله لإسرائيل لأن «ميليشيا» آل الحريري (المتسربلة برداء المسميات الرسمية الأمنية في لبنان) غير قادرة على التعامل العنفي مع هذا الأمر الملحّ. طبعاً، هناك من يذكر كيف أن السنيورة قرر عدم لقاء كوندوليزا رايس إثر مجزرة قانا، لكنهم يتناسون أنه ما فعل ذلك إلا بطلب مباشر وملحّ من نبيه بري (وما لبث السنيورة أن أخلف وعداً قطعه أمام الرأي العام في لبنان بأنه لن يتباحث مع الأميركيين في شيء قبل التوصل الى وقف إطلاق النار).<br />
لكن السنيورة آثر أن يبقى على كرسيه مشاهداً أفعال اسرائيل لعلها تخلّص آل الحريري من سلاح حزب الله ليتسنّى لهم الولوج في عصر «ربيع» التطبيع مع إسرائيل (الذي كان رفيق الحريري واضحاً جداً في التصريح به في مقابلات لم يضمّنها عمر أميرالاي في فيلمه التبخيري عن رفيق الحريري، وإن بُثّت بعد ذلك على تلفزيون «المستقبل» بعد اغتيال الحريري). لكن فؤاد السنيورة كان قومياً عربياً عندما كان فتى. وهذا في معيار 14 آذار كاف لتسويغ كل ما فعل وسيفعل. (وقد يأتي يوم يزعم فيه أهل 14 آذار أن سمير جعجع كان ناشطاً مع وديع حداد في شبابه).<br />
ثم هناك وليد جنبلاط، الذي تمتع بكامل قواه النظرية أثناء العدوان لأنه كان قد تخلّص لتوه من تلك الغشاوة اللعينة التي سمحت له بالتحالف الذيلي مع نظام الأسد في سوريا على امتداد نحو ثلاثين عاماً (تلك الغشاوة. كم فعلت فعلها على التقدمي الاشتراكي الذي لا يذكر اسم تقدمي اشتراكي آخر هو ملك السعودية، إلا ويلحقها بعبارة «الرجل الرجل». إنها تقدمية الاشتراكية الدولية التي تعتبر رفيق الحريري «شهيداً» أعزّ من كارل ماركس نفسه).<br />
هذه الغشاوة منعته من ملاحظة ــــــ فقط ملاحظة ــــــ مجزرة حماه التي عزاها صاحبنا آنذاك إلى مؤامرة من «الانعزاليين والصهاينة». لكن جنبلاط معذور لأن من عوارض الغشاوة المثبتة طبياً استسهال استعمال اللغة الخشبية في صيغتها البعثية. وقد منعته أيضاً من ملاحظة خرق حقوق الإنسان في سوريا على امتداد العقود. صاحبنا لم يكن يعلم بوجود رياض الترك إلا بعدما زالت الغشاوة عن عينيه وإلا كان طالب في اجتماعاته الطويلة مع قادة الاستخبارات في أجهزة النظام عبر السنوات بإطلاقه طبعاً. والغشاوة أدت بصاحبنا في الثمانينيات الى اتهام رفيق الحريري بأقظع النعوت، بما فيها تهم العمالة لأميركا واسرائيل، لكن حدث ذلك في «زنقة» خانقة. واللذيذ في تقلّبات زعماء الإقطاع أن تقلباتهم تُغفر لهم، فهم ـــــ طالت أعماركم ـــــ ليسوا كالعامّة أبداً. هؤلاء يولدون زعماء مثلما يولد أولادهم زعماء بالفطرة.<br />
كانت معالم نصر حزب الله بادية طوال فترة المعارك على الوجوه الكالحة لقادة 14 آذار، وخصوصاً عندما استدعتهم كوندوليزا رايس الى ذلك اللقاء الشهير في عوكر، وأتوا صاغرين، كما كان معظم زعماء 14 آذار يذهبون صاغرين عندما كان يستدعيهم النظام السوري طوال حقبة «الغشاوة» اللعينة. وهناك من قال إن وليد جنبلاط كان أول من اعترف للمقاومة بالنصر. هذا غير صحيح. أفلا تذكرون أماراته عندما تساءل «منقّراً» ومستفزاً عن إهداء نصر حزب الله؟ لم يفعل ذلك من باب الإطراء، وإنما من باب الإحراج والإساءة، لا بل إن دور وليد جنبلاط أثناء العدوان، وذلك بالصدفة طبعاً («صائبت»)، كان مكملاً دعائياً للحملة العسكرية على حزب الله، إذ إنه كان لا يفوّت فرصة لتقويض هالة حزب الله الشعبية من خلال اللغة «الكودية» المعروفة في مجتمع الوعي الطائفي في لبنان.<br />
ارتأى جنبلاط بعد ذلك أن يميّع نصر المقاومة عبر الإشارة الى «كل من ساهم» في المقاومة عبر السنوات (هل شارك هو أو حزبه من دون علمنا؟). فاستوى فيها وفقاً لذلك سمير جعجع وجورج حاوي (أو دوري شمعون وهاشم علي محسن، ذلك العراقي الماركسي الذي أطلق جبهة المقاومة الوطنية لتحرير لبنان من الاحتلال والفاشية عام 1978، ولم يطلب أجراً أو تعظيماً، فلتذكره مراجع التاريخ ـــــ وتسمية «جبهة المقاومة» تعود له). ولا ينفك جنبلاط عن الإشارة الى كل من ساهم في المقاومة (وفي صيغة 14 آذار المبتكرة، فكل اللبنانيين مقاومون بمن فيهم عملاء جيش لحد). وتكمن أهمية دور جنبلاط في كونه يبدو مولجاً بالتصدي الدعائي لكل تصريحات ومقابلات حسن نصر الله (وهو يكتب ردوده عليه نقطة نقطة، ولا يمكن ربط هذا الدور بلقاء العشرين دقيقة الذي حظيه صاحبنا مع جورج بوش، ملهم «ثورة الأرز» مثلما ألهم لينين الثورة الروسية). فمن الواضح أن الدور الرسمي في 14 آذار لجنبلاط هو التصدي الدعائي لحزب الله وذلك بهدف إضعافه. ويلاحظ المرء أن جنبلاط في إشاراته المتكررة الى سمعة حسن نصر الله وشعبيته في العالمين العربي والإسلامي ينمّ لاشعورياً عن شيء ما يحتاج إلى علم النفس لتحليله. فزعامة نصر الله الواسعة الانتشار تبدو مزعجة لزعيم طائفي ورث عن كمال جنبلاط زعامة عربية وعالمية رحبة، فضيّقها وجعلها فئوية وضيعاوية صغيرة.<br />
ثم هناك بقية أطراف جوقة 14 آذار. من دوري شمعون الذي ظهر في عزّ الحرب على شاشة الـ«إل. بي. سي.» ليسخر من فكرة، حتى فكرة، النصر العربي على اسرائيل. وقال إن بحوزة إسرائيل أسلحة لم تستعملها بعد (وهو ظهر توّاقاً إلى أن تستعملها اسرائيل. خانته الكاميرا، زعيم الحزب الذي رعى ولادة ظاهرة سعد حداد وأنطوان لحد. لجنة التحقيق الإسرائيلية كان يجب أن تقابل شمعون لعلمه بنصر إسرائيلي فات على الإسرائيليين أن يلاحظوه). وكارلوس إده: ماذا تقول عن الرجل (العميد، تحبّباً) الذي ينطق بلغة بلاده الرسمية بقدرة طفل في الرابعة. يأتي ورثة الزعامات من أقاصي الأرض ليُنصّبوا زعامات على بلد لا يعرفون منه وعنه غير الأساطير المُؤسِّسة المستقاة من تخيّلات سعيد عقل. (طبعاً، ليس من العدل في شيء أن يُلام المرء على أفعال من سبقه في زعامة العائلة، لكن هل تصدّى هذا الحزب الصغير (بازدياد) لمسألة لم تعد سراً إلا في الصحافة اللبنانية: مسألة علاقة إميل إده (ومبعوثه بيار إدة) بالصهيونية؟) أما ميشال معوض، فهو يستطيع الآن، ومن دون إشراف مباشر من والدته الحنون، أن يقرأ على الملأ نصّاً كاملاً بالعامية. فإذا كان هذا العمل العظيم لا يؤهّل للزعامة الطائفية، فلا شيء يؤهّل.<br />
البطريرك الماروني عاد في أثناء العدوان الى لبنان على متن طوافة عسكرية أميركية، وهو الذي يرفض حتى مبدأ الزيارة لسوريا (البلد) لشدة تعلّقه بسيادة بلده. وهو قام بزيارة «رسمية» للولايات المتحدة في حمأة العدوان الأميركي ـــــ الاسرائيلي على لبنان، وصرّح فيها بأن نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، يسعى جاهداً للوصول الى حلّ في لبنان. نتساءل: هل قدّم البطريرك شكراً وامتناناً بالنيابة عن الشعب اللبناني الى نائب الرئيس الأميركي لخدماته الجلّى للشعب العربي على امتداد السنوات؟<br />
أما النائب سعد الحريري فهو في منأى عن النقد، إذ تسنّى له أثناء العدوان أن يختبر بالملموس مدى صوابية السياسة الدفاعية لآل الحريري وكم كانت ناجحة وناجعة. فالنائب المثقل بالهموم (بالإضافة الى همّ تلقّي التحليلات السياسية العميقة لباسم السبع على مدار الساعة) جال في بلاد الأرض (وإن كنا لاحظنا أن الغلبة في الجولات كانت للبلدان ذات الشواطئ الخلابة، مثل قبرص)، وذلك بهدف طلب وقف إطلاق النار في لبنان. وقد ساعد الرئيس القبرصي سعد الحريري في مسعاه. (صحيح أنه فشل فشلاً ذريعاً، وأثبت أنه عزيز على الإدارة الأميركية مثل معزّة محمد دحلان، أو أكثر قليلاً)، لكن الرئيس السنيورة أوضح الأمر في مقابلة مع جريدة الـ«لوموند». فعندما سُئل عن جدوى تحالفه مع أميركا في الوقت الذي لا تقوم فيه أميركا بمساعدة لبنان أثناء العدوان، قال إن أميركا تحب لبنان لكنها تحب إسرائيل أكثر. هؤلاء هم حكام لبنان في عصر ثورة الأرز.<br />
تمرّ ذكرى العدوان الاسرائيلي والحكومة في لبنان لا تزال تتعامل مع الحدث وكأنه سوء تفاهم بين لبنان واسرائيل. والمقاوم يُلام، والمُعتدي يُعامل وكأنه وقع ضحية أفعال خصوم السنيورة اللبنانيين ــــــ هؤلاء الذين أحرجوا رئيس الحكومة أمام الصديق الأميركي لإشهارهم السلاح بوجه إسرائيل بهدف الدفاع عن النفس. الضحية أصبحت متهمة في لبنان. ومسار الأكثرية يتقدم القهقرى متلازماً مع مسار عقيدة بوش الخلاقة التي لم يبقَ لها إلا السنيورة ومحمد دحلان وكرزاي. أعمدة الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط يترنّحون، والحكم السعودي يجيّر سيطرته الإعلامية الهائلة في العالم العربي من أجل تحسين صورة أميركا. لكن إمكانيات العطّار محدودة. وقرى الجنوب تنتظر المساعدة وإعادة البناء. يريد فؤاد السنيورة أن يعلّمها درساً قاسياً. كيف جرؤت على مقارعة اسرائيل؟ كيف رفضت أن تستسلم؟ ألم تتأثر بمشهد جورج بوش مربّتاً على كتف رئيس حكومة لبنان؟ ألم تسمع بوسائل النضال الحضاري التي أتقنها رئيس حكومة لبنان؟ هل يحتاج أهل الجنوب إلى دروس خصوصية في إعداد الشاي؟</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2007/07/18/%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a3%d8%b9%d9%88%d8%a7%d9%86%d8%9f/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>هذا السقوط الذريع للإعلام اللبناني: «البارد» نموذجاً</title>
		<link>http://angryarab.net/2007/07/09/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a-%c2%ab%d8%a7/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2007/07/09/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a-%c2%ab%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Mon, 09 Jul 2007 07:00:19 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=367</guid>
		<description><![CDATA[لم تكن تغطية الصحافة اللبنانية لأحداث نهر البارد بالمستوى المطلوب من صحافة لا ‏تتورّع عن انتقاد الصحافة الغربية لالتصاقها بالحكومات، وخصوصاً بعد 11 أيلول. ‏فالصحافة اللبنانية (والعربية بصورة عامة) ــــ تلك الرصينة منها ــــ كانت محقة في ‏انتقادها الإعلام الأميركي الذي تقاعس عن أداء دوره، وخصوصاً لجهة الرقابة على ‏أداء السلطة التنفيذية قبيل الحرب على [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">لم تكن تغطية الصحافة اللبنانية لأحداث نهر البارد بالمستوى المطلوب من صحافة لا ‏تتورّع عن انتقاد الصحافة الغربية لالتصاقها بالحكومات، وخصوصاً بعد 11 أيلول. ‏فالصحافة اللبنانية (والعربية بصورة عامة) ــــ تلك الرصينة منها ــــ كانت محقة في ‏انتقادها الإعلام الأميركي الذي تقاعس عن أداء دوره، وخصوصاً لجهة الرقابة على ‏أداء السلطة التنفيذية قبيل الحرب على العراق وبعدها. فـ«الواشنطن بوست» ‏و«النيويورك تايمز» قدّمتا خدمات جلية للإدارة الاميركية عبر تهيئة الرأي العام ‏للحرب، معتمدتين على تقارير باطلة ومزاعم مُواربة عن وجود أسلحة دمار شامل ‏في العراق. قامت «النيويورك تايمز» على الأقل بنقد ذاتي طويل وأنهت (لأسباب ‏أخرى وجيهة) عمل الصحافية جوديث ميلر التي رددت على صفحات «النيويورك ‏تايمز» ادعاءات لأحمد الشلبي ومساعديه. أما «الواشنطن بوست» فهي على ثباتها في ‏التهليل لعقيدة بوش، وهي متيّمة بصورة خاصة بـ«ثورة الأرز». والهيام بهذه الثورة ‏سمة من سمات الهيام بالليكود الإسرائيلي في هذه البلاد. لكن لعل ذلك صدفة بريئة، ‏أو «صائبت» كما تقول نظرية سياسية شائعة في لبنان. ‏<br />
وقد اختار الإعلام الأميركي، وعن وعي، الطريق الأسهل (تجارياً وسياسياً): طريق ‏الوطنية ودغدغة المشاعر القومية الملتهبة بعد 11 أيلول. يفسر ذلك لحاق الإعلام ‏الأميركي بقطار الإدارة الدعائي من ناحية تحضير الرأي العام لحروب بوش التي لا ‏تنتهي، وكان آخرها حرب بوش ضد وئام وهاب لمنعه من زيارة معالم «ديزني» ‏وملاهيها. ‏<br />
فالخطر على حرية الإعلام لا يأتي فقط من قمع الحكومات ذات القدرة الأكبر على ‏فرض الرقابة والمعاقبة، بل يكمن الخطر أيضاً في سلطة الرأي ‏العام ونفوذه وضغوطه. وتزداد قدرة الرأي العام على التأثير في عصر التنافس التجاري الحاد وهجرة ‏قرّاء الصحف نحو شبكات التلفزيون. فشبكة «السي. إن. إن.»، مثلاً، توقفت عن عرض ‏جثث مدنيين عراقيين أثناء الغزو الأميركي للعراق بسبب اعتراضات المشاهدين ‏‏(والمشاهدات) الذين رأوا في تلك المشاهد دعماً لأعداء أميركا. واستطاعت الإدارة ‏الأميركية أن تفرض ضوابط على التغطية الإعلامية بعد 11 أيلول من دون اللجوء ‏الى القوة، إذ كانت تعلم أن الرأي العام ينحاز الى الإدارة ــ أية إدارة ــ في زمن ‏الحرب. ويكمن التحدي الكبير للإعلام في الحفاظ على الاستقلالية ومعايير المهنية في ‏زمن احتدام الحروب وعند اشتعال المشاعر الوطنية والقومية. (نستخدم عبارة ‏‏«المهنيّة» هنا تجنّباً لعبارة «الموضوعية» المجترّة التي غالباً ما تُستعمل للتستّر على ‏نوايا وأغراض سياسية للإعلام، وإن كانت العبارة تستعمل في الصحافة العربية ‏وكأن هناك موضوعية مجردة أو «محضة» بلغة الفيلسوف كانت).‏<br />
برز التحدي الكبير أمام الإعلام اللبناني منذ نشوء حرب نهر البارد. والإعلام منقسم ‏ككل شيء في لبنان بين معارض وموال. فالإعلام الموالي التزم سردية الحكومة ‏بأن التنسيق بين الأجهزة الأمنية كان كاملاً (على الرغم من تسريبات تثبت امتعاض ‏الجيش من سوء تصرف قوات الأمن الداخلي التي تحولت الي ميليشيا خاصة ‏بالسلالة الحاكمة)، وأن الحكومة السورية هي التي خلقت «فتح الإسلام» من عدم، وهي ‏التي أرسلتهم الى لبنان (ونلاحظ أن الفريق الحاكم يشكك في كيفية هروب العبسي من ‏سوريا من دون أن يشكك في كيفية هروبه من الأردن. لكن للتحالفات الخارجية ‏أحكام) لزعزعة حكومة السنيورة المقدسة (على الأقل من وجهة النظر الأميركية ‏المتوافقة مع «العروبيّ» الذي حظي على تربيت على الكتف من جورج بوش. وهل ‏هناك أعز من تربيت جورج بوش بالنسبة إلى رجال الدولة من طراز حميد كرزاي ‏وفؤاد السنيورة وأبو مازن؟). ‏<br />
واقتضت الرواية الرسمية الافتراض أن أي انشقاق تنظيمي يتبع دوماً للتنظيم الأمّ في ‏ولاءاته الخارجية. وعليه، فإنّ «فتح الإسلام» تابع لسوريا لأنّ التنظيم المُنشقّ عنه تابع ‏لسوريا. وبناء على هذا المنطق، فإنّ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة ‏الديموقراطية والقيادة العامة هي التنظيم نفسه، على الرغم من تعدد الأسماء، وذلك لأنّها ‏انشقّت بعضها عن بعض. وقد أفتى بذلك رسمياً وزير الداخلية اللبناني، وهو في ‏تصريحاته القليلة بادي النباهة والعمق التحليلي. أمّا الإعلام المعارض، بما فيه جريدة ‏«الأخبار» ومحطة المنار، فألقى باللائمة كلياً على قوات الأمن الداخلي، واعتبر أنّ ‏الجيش اللبناني، مهما قصف ودكّ المخيم المكتظ، مغلوب على أمره، وأنّه سيق إلى ‏المواجهة عبر مخطّط محكم من قبل «جهاز المعلومات»، أي أن الإعلام المعارض، ‏مثله مثل الإعلام الموالي، رفض وضع أية ضوابط على أعمال الجيش العسكرية، ‏ما خلق مناخاً ساهم في وحشية القصف وغياب الحرص (الحقيقي لا اللفظي) على ‏حياة المدنيين في المخيم. ‏<br />
أما الشعب اللبناني فبدا مبتهجاً بأداء جيشه. الشعب اللبناني بدا مزهوّاً في مشهد يذكّر ‏بابتهاج الشعب الأميركي (بمعظمه) بمشاهد قصف أفغانستان. ولبنان، كمحاولة ‏مصطنعة لإنشاء وطن، كان دوماً يسعى، ومن دون نجاح يذكر، نحو إنشاء رموز ‏وطنية مُوحّدة. فوهم الوطنية لا ينفك يُفتش عن إمكانية حصول إجماع (فوق ‏الانشطارات الطائفية) خارج إطار المطبخ اللبناني وتقدير فيروز (وهما بالتأكيد محل ‏إجماع). فإمكانية التوحّد حول طبق شهي (أو حول تلك الأغنية الركيكة «بحبك يا ‏لبنان») لا تكفي لإنشاء وطن، ولا تكفي أيضاً تلك الأرزة (هل هي نفسها التي ‏أعطيت لجون بولتون؟). فالجيش بقي العنوان الوحيد، وخصوصاً أن قائده ‏استطاع أن يقفز بمهارة سياسية فوق الطوائف ووفق الانقسامات في المرحلة ‏الحرجة التي تلت اغتيال رفيق الحريري، والتي لم تكتمل بعد. ‏<br />
لذلك، فإنّ الشعب الباحث عن رموز الوطنية وجد ضالته في الجيش، لكنه لم يجدها ‏في ضرورة التصدّي للعدوان الاسرائيلي على لبنان: كان يمكن هذا الشعب أن يطالب ‏بدور وطني فاعل للجيش في مواجهة الحرب الإسرائيلية على لبنان. اكتفى اللبنانيون ‏بالقول إن الجيش يساعد المقاومة «سرّاً» وكأنّ الدفاع عن أرض الوطن بات سراً ‏عسكرياً لا يُشاع. وهناك من كان يردّ بالتساؤل: أَوَتريد أن يُقتل الجنود؟ لكن، أليست ‏هذه هي مهمة الجيش الأساسية؟ واللبنانيون (واللبنانيات) الساعون الى موقف بطولة ‏من جيشهم كان أولى بهم أن يسعوا وراء تلك البطولة في مواجهة مع جيش العدو لا ‏مع مخيم آهل بالسكان الفلسطينيين.‏<br />
أمّا السقطة الكبيرة في التغطية الإعلامية، فكانت في شبكة «النيو.تي.في.»، تلك ‏المحطّة المميّزة (والمنسجمة في شجاعتها الأخلاقية) التي استطاعت أن تجترح خطّاً ‏سياسياً مستقلاً في البلد الشائك (وإن كان انحيازها لرئيس الجمهورية يضعف من صدقيتها السياسية)، وأن تبقى فوق الطوائف والأحزاب ــ إذا كان هناك من أحزاب ‏في لبنان. وهي وفّرت أفضل تغطية أثناء العدوان على لبنان منذ سنة، ومحاربتها ‏للفساد تشكل مدرسة في الإعلام (على المستوى العربي والعالمي). لكنها لم تحِد عن ‏مسار بقية الوسائل في تغطيتها الحالية. إذ إن المحطة التي كان يمكنها أن تخرج ‏عن نمطية الإعلام الطوائفي، لم تأتِ بجديد. وعمل مراسلوها لا على إجلاء الحقيقة، ‏بل على تلميع صورة الجيش المغوار. ‏<br />
كانت «النيو. تي. في.» في أخبارها تكراراً لنشرات ومزاعم تلفزيون المستقبل والـ«إل. ‏بي. سي.». فهي، كغيرها من وسائل الإعلام، رددت ببغائياً ادعاءات الجيش من دون ‏تحقيقات مستقلة واستقصاءات مبنية على أحكام عينية. وكان المذيع أحياناً يكذّب ‏الكاميرا عندما يعزو القصف على المخيم ــــ دائماً وأبداً ــــ الى استفزازات فتح ‏الإسلام. وحتى عندما كانت مدفعية الجيش تبادر بوضوح (وعلى الهواء) الى قصف ‏المخيم، كان بعض المراسلين مثل رياض قبيسي (الماهر في تقاريره، باستثناء تلك ‏المتعلقة بنهر البارد) يبادر الى التطوع بالقول إن الجيش يرد على إطلاق نار من ‏داخل المخيم. لكن فراس حاطوم بزّهم جميعاً، إذ تصوّر أنّ دوره لا يختلف عن دور ‏مديرية التوجيه في الجيش اللبناني. ‏ثم هذا الحديث عن استعمال المدنيين من قبل فتح الإسلام كـ«دروع بشرية»: من أين ‏بدأ وما هي الدلائل على حدوثه؟ كل الدلائل تشير إلى أنّ العصابة الإجرامية ‏المذكورة كانت معزولة تماماً في داخل المخيم، وأنها لم تحاول منع المدنيين من ‏الخروج. وإلا كيف خرج الآلاف الذين واللواتي لم يتحدّثوا عن احتجازهم داخل ‏المخيم؟ لكن الإعلام اللبناني نجح في تقليد الدعاية الإسرائيلية بحذافيرها، تلك الدعاية ‏التي تسوّغ قتل المدنيين الفلسطينيين بشتى الوسائل. حتى المصطلحات كان مماثلة ‏لتلك التي استعملتها الإذاعة الإسرائيلية أثناء الحرب اللبنانية، مثل عبارة «معسكر» ‏نهر البارد (وكانت إذاعة صوت لبنان الكتائبية تستعمل تلك العبارة أثناء غزواتها ‏للمخيمات الفلسطينية خلال الحرب اللبنانية، مدعومة أحياناً من النظام السوري ‏ومن إسرائيل في الآن نفسه). أما الجيش اللبناني، وفقاً لوسائل الإعلام اللبنانية، فهو ‏دائماً المدافع عن النفس ضد الإرهابيين (كم بات الإعلام اللبناني يستسهل استعمال ‏هذه العبارة على خطى الإعلام الصهيوني) تماماً مثل «جيش الدفاع» الإسرائيلي. إن ‏لاستسهال استعمال مصطلح الإرهاب، وخصوصاً في ما يتعلق بمخيم فلسطيني، يبدو ‏مشبوهاً على الأقل من بعض أطراف السلطة (القلقة على مصير محمد دحلان).‏<br />
ولم يتورّع الإعلام اللبناني عن الانزلاق نحو الخطاب العنصري الفجّ ضد الشعب ‏الفلسطيني، على غرار الإعلام الكتائبي أثناء الحرب، وهو كان يستعين بخبرات ‏إسرائيلية آنذاك. فعبارات «البؤر» في المخيمات والحديث عن مرتزقة صارا لازمة ‏من لوازم التحليلات الإخبارية الشائعة في لبنان. وتحولت المخيمات الفلسطينية فجأة، ‏في الإعلام الحريري وفي غيره، الى «معسكرات»، وهي العبارة التي كانت الإذاعة ‏الإسرائيلية تستخدمها في نشرتها العربية للحديث عن المخيمات في عصر الثورة ‏الفلسطينية في لبنان. ‏<br />
لكن الإعلام اللبناني، كما السلطة اللبنانية، استعار أيضاً من خطاب الحكومة الأردنية ‏أثناء مجازر أيلول. فالسنيورة (الذي أصبحت معارضته مخالفة للقانون الدولي وفق ‏‏(لا)منطق جورج بوش، الراعي العطوف لـ «ثورة الأرز») يتحدث عن قتل ‏الفلسطينيين، وكأنها خدمة للقضية الفلسطينية. وهو وعد وفداً فلسطينياً زاره بتحويل ‏مخيم نهر البارد الى مخيم «نموذجي» بعد تدميره ــــ لعل النموذج هو مخيم جنين، ‏فاقتضى التنويه. حتى إطلاق النار على المتظاهرين في البداوي تحول في خطاب ‏السنيورة الى عطاء من أجل فلسطين، مثلما كان بيار الجميل يصرّ في خضمّ حصار ‏وحشي لمخيم تل الزعتر على أن قضية فلسطين هي «أشرف قضية». ‏<br />
ثم لماذا تمنّع الإعلام اللبناني عن مساءلة ليس فقط قوى الأمن الداخلي (وهذا هو نهج ‏المعارضة)، بل أيضاً الجيش اللبناني نفسه؟ إن الثناء المطلق على أداء الجيش، أي ‏جيش، هو وصفة لارتكاب جرائم حرب، كما رأينا في «أبو غريب». وغياب المساءلة ‏بالنسبة إلى أداء الجيش أدى وسيؤدي إلى غياب الرقابة الخارجية والذاتية على أفعال ‏عناصر الجيش في أية مواجهة مسلحة، حالية ومستقبلية.‏<br />
كان يمكن حتى الإعلام المؤيد لـ«معركة» الجيش (وهي معركة وهمية مثل معركة ‏المالكية المزيفة حين خرج الجيش عن الإجماع العربي في حرب فلسطين في حده ‏الأدنى ورفض دخول أرض فلسطين للدفاع عنها) أن يؤيد دكّ المخيم من دون هذه ‏الاحتفالية المنفّرة. وإذا كان إعلام الحريري يقدّر البطولات، فلماذا رفض رؤية ‏بطولات حقيقية في أرض الجنوب في مواجهة واحد من أقوى جيوش العالم؟ وشبكة ‏الـ«إن. بي. إن» ذهبت بعيداً في تغطيتها الاحتفالية، وفي بثّها لأغانٍ يظهر فيها ‏المغني (بصورة هزلية) مرتدياً الثياب المرقطة. وتغطية الـ«إن. بي. إن» تثير ‏تساؤلات عمّا إذا كان هناك في حركة «أمل» من يشعر بحنين ما إلى حرب المخيمات ‏المشؤومة التي أثبتت بما لا يقبل الشك أن الحقد ضد الشعب الفلسطيني لا يقتصر ‏على طائفة واحدة. هل توحي مشاهد تدمير مخيم الفقراء في البارد بالأغاني ‏الهمروجية؟ وهؤلاء الذين يطالبون الجيش بإظهار الحزم والقوة، لماذا لم يطالب أي ‏منهم الجيش نفسه بالدفاع عن لبنان أثناء عدوان إسرائيل الوحشي؟ إذا كانوا راغبين ‏في مواقف بطولية، هل هناك من بطولة تفوق مواجهة العدو (الذي هو جار فريد ‏مكاري ـــــ والجار قبل الدار ربّما) على أرض لبنان؟ لم يجرؤ الإعلام على سؤال ‏الجيش عن نوعية السلاح المستخدم ضد المخيم الآهل، فجعلوا من كل شيء مباحاً.‏<br />
ولماذا لم تغطِّ الصحافة في لبنان ما غطّته الصحافة العالمية حول ظهور (وأفعال) ‏ميليشيا الحريري في الشمال؟ ولا يمكن الإعلام المعارض أن يصرّ على عدم تحميل أية مسؤولية لما جرى من قتل للمدنيين الفلسطينيين من قبل الجيش اللبناني. والسؤال ‏هو ما هي الحدود المسموحة للجيش في أعماله «العسكرية» ضد المخيم وضد ‏المتظاهرين من الفلسطينيين؟ وهل يمكن أن يتوحد اللبنانيون ضد إسرائيل، مثلاً، بدلاً ‏من التوحد على عداء الشعب الفلسطيني؟ وهل توقف الإعلام اللبناني عن ترداد ‏أكذوبة «القتيل المدني الواحد» في المخيم، التي كان أحمد فتفت (ما غيره) يرددها في ‏تجواله على شاشات التلفزة (كيف أحوال «الشباب والرياضة» في وزارته بالمناسبة)؟ ‏<br />
إن ما حدث في نهر البارد غير عفوي وغير بريء في توقيته. والسلطة في لبنان ‏تكذّب نفسها بنفسها لكثرة ما تناقض نفسها في دعايتها غير الذكية. وإن كانت السلطة ‏مقتنعة بوجود مؤامرة سورية على لبنان (وبعض أركان السلطة قد يكون عليماً بشؤون مؤامرات النظام السوري في لبنان لكثرة ما شارك فيها عبر العقود)، فهل ‏تعتقد أن نفيها القاطع لوجود مؤامرات أخرى مقنع أم هو ينمّ عن ولاء مطلق للوصاية ‏الجديدة على لبنان؟ ‏<br />
يثبت الشعب اللبناني، بأكثريته على الأقل، مرة أخرى أنه لم يقابل اللاجئ الفلسطيني ‏في لبنان بحسن الضيافة أو بالترحاب، خلافاً للمديح الذاتي الذي تتقنه الثقافة السياسية ‏والشعبية في لبنان. على العكس من ذلك، شكّل لبنان محطة للتآمر على القضية ‏الفلسطينية منذ انطلاقتها، واستخدمت الطوائف المتعددة الشعب الفلسطيني لأغراضها ‏هي. ولا يخلو مخيم فلسطيني في لبنان من ذكرى مجزرة أو أكثر. ‏<br />
يستطيع الجيش اللبناني أن يشكّل عماداً لوطنية جامعة، لكن في مواجهة إسرائيل، لا ‏في مواجهة أهل المخيمات. أما كلام السنيورة على إعادة إعمار البارد فيثير الريبة، لا ‏الاطمئنان. والإعلام اللبناني (في الحكم وفي المعارضة على حد سواء) قصر في ‏دوره رقيباً. طبعاً، هناك صعوبات في العمل الإعلامي العربي. ففي العالم العربي، ‏يصرّ آل سعود على السيطرة على كل وسائل الإعلام من دون استثناء، كما حاول ‏رفيق الحريري أن يُخضع كل وسائل الإعلام في لبنان لسيطرته المالية (ونجح الى ‏حد كبير) بعدما ضرب وسائل الإعلام الوطني (الرسمي) في الصميم. أمّا في تغطية ‏نهر البارد، فقلّة فقط خرجت عن بيت الطاعة وبشجاعة نادرة. وتستحق رابعة الزيات ‏في الـ«إن.بي.إن»، بالإضافة الى قسم العدل في هذه الجريدة وبعض الكتّاب في ‏جريدة «السفير»، تحية خاصة، وذلك لأنّهم حاولوا تذكير اللبنانيين واللبنانيات بحقيقة ‏مرّة: إنّ الشعب الفلسطيني بشر مثلهم، وإن كانوا لم يعتنقوا تلك الأرزة رمزاً</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2007/07/09/%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a-%c2%ab%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>من ينقذ الشيعة (غير سعد الحريري)؟‎</title>
		<link>http://angryarab.net/2007/07/03/%d9%85%d9%86-%d9%8a%d9%86%d9%82%d8%b0-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%b3%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%9f%e2%80%8e/</link>
		<comments>http://angryarab.net/2007/07/03/%d9%85%d9%86-%d9%8a%d9%86%d9%82%d8%b0-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%b3%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%9f%e2%80%8e/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 03 Jul 2007 07:00:54 +0000</pubDate>
		<dc:creator>admin</dc:creator>
				<category><![CDATA[Arabic]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://angryarab.net/?p=365</guid>
		<description><![CDATA[تعاني حركة 14 آذار من مشكلة شيعية، وتحاول ما استطاعت أن تستنبط «تياراً» شيعياً حريرياً ‏يحظى ببعض «الصدقية» الطائفية. فرفيق الحريري استطاع في سنوات حكمه أن يحقق كسباً كبيراً ‏في اجتذاب الرأي العام السنّي نحوه، وإن كان هذا الاستقطاب المذهبي قد تفاقم بعد اغتياله. ونجح ‏في استمالة الزعيم الدرزي الأبرز، بالإضافة إلى حصوله على تأييد [...]]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: right;">تعاني حركة 14 آذار من مشكلة شيعية، وتحاول ما استطاعت أن تستنبط «تياراً» شيعياً حريرياً ‏يحظى ببعض «الصدقية» الطائفية. فرفيق الحريري استطاع في سنوات حكمه أن يحقق كسباً كبيراً ‏في اجتذاب الرأي العام السنّي نحوه، وإن كان هذا الاستقطاب المذهبي قد تفاقم بعد اغتياله. ونجح ‏في استمالة الزعيم الدرزي الأبرز، بالإضافة إلى حصوله على تأييد بعض الفعاليات المسيحية. كانت ‏وسائل الاستمالة شبيهة على الأرجح بوسائل استمالة جاك شيراك من قبل أيمن الحريري، الذي ‏يستضيف شيراك في بيته (يا للصداقة. وهي صداقة تذكّر بصداقة نبيلة بين صدام حسين في عزّه ‏وشيراك، حتّى إنّ رئيس تشريفات صدّام يروي في كتابه أن زوجة شيراك كانت تصاب بالذهول ‏وبعرفان الجميل عندما كانت تتلقى دفعة جديدة من هدايا صدام الدورية).<br />
ولكن يجب الإقرار بمهـــــــــــارة ‏رفيق الحريري في هذا المجال: فللّعبة الديماغوجــــــــــــية الطائفــــــــــية أصول وقوانين لا يجيدها إلا من امتهنها ‏في العمــــــــــل السياسي اللبناني. لكنّ رفيق الحريري لم يكــــــــــن كامل السيطرة على الرأي العام السنّي في ‏حياته على الرغم من سعي حثيث (وصناديق الزيت والسردين)، وإن كان فاق كل رؤساء الوزراء بعد ‏الاستقلال (الاستقلال عن فرنسا لم يعد استقلالاً، إذ إن وليد جنبلاط، بعدما أُزيلت «الغشاوة» عن عينيه ‏في عملية جراحية معقدة تطلبت حضور اختصاصي الغشاوة غطاس خوري، أفتى بأن الاستقلال هو ‏فقط استقلال عن سوريا وطالب بالتلويح بالعلم الفرنسي في عقر داره) في مهارته في تأجيج ‏الحساسيات الطائفية السنية، وفي استغلال الدين بمناسبة وغير مناسبة كما فعل ضد قانون الزواج ‏المدني (قد يكون الياس الهراوي المغلوب على أمره أكثر الرؤساء علمانية في تاريخ لبنان، وإن كان ‏محكوماً باعتبارات موازين الترويكا آنذاك). والحريري لم يكن سلساً في عملية صعوده السياسي، إذ إنــــــــــه اعتمد عبر السنوات على ثلاثة عناصر أساسية لبناء زعامته السياسية (والعناصر الثلاثة هي ‏نفسها آفات النظام السياسي اللبناني):‏<br />
‏1)‏ التدخل الخارجي، السوري أساساً، وإن تغيّر في سنتيه الأخيرتين عندما بدأ بالإعداد للقرار ‏‏1559. ‏<br />
‏2)‏ التأجيج المذهبي الحاد، وخصوصاً في الانتخابات النيابية. ‏<br />
‏3)‏ المال السياسي غير المحدود. ولا شك في أن سعد الحريري اعتمد على العناصر نفسها (مع ‏استبدال أدوار التدخل الخارجي) في بناء أكثريته النيابية، وإن كان ذهب في التأجيج الطائفي ‏والمذهبي وفي إغداق المال (الذي «أنعم به» الله على العائلة، وفقاً لوصف رفيق الحريري ــ أي ‏إنّه «مال إلهي»، وإن كانت أبواق العائلة تسخر من هذا الوصف هذه الأيام) أبعد بكثير من ‏والده، وخصوصاً في انتخابات الشمال.‏<br />
والطائفة الشيعيـــــــــــة، على خلاف الطائفة الدرزية وعلى خطى الطائفـــــــــــــــة المارونية، تخلّـــــــصت من زعامات ‏الإقطاع الذين قضوا ســـــــــــــني الحرب مـــــــــــنبوذين في المنافي أو في المناطق اللبنانيــــــــــــــــة البعيدة عن أماكــــــــــــــن ‏الوجود الشيعي. لكن بعـــــــــــــــض بقايــــــــــــــا العائلات الإقطاعية الشيعية استطاعت أن تتعايش مع الحالة السياسية ‏المستجدة عبر الانضواء في صفوف كتلة حركة أمل، وإن كان دورها هامشياً. ‏<br />
وشكل الواقع الشيعي معضلة لرفيق الحريري وإن كانت حملاته المذهبية كفيلة بمنع انجذاب الشيعة ‏وراء قيادته، بالإضافة الى عوامل أخرى تتعلق بسياساته الإنمائية، وبموقفه المعارض للمقاومة منذ ‏البداية، على الرغم من مزاعم بكّائي عائلة الحريري المحترفين. ‏<br />
والوضع الشيعي اليوم (والتحليل الطائفي مبرّر في لبنان نتيجة ضعف الهويــــــــة الخارجة عن الطائفة) ‏معقود اللواء لحزب الله (ولحركة أمـــــــــل بدرجة أقل). والمفارقة أنه كلما غرقت قيادة السلالة الحـــــــاكمة ‏في عملية التأجيج الطائفي، صعّبت من إمكان نجاحها في تحقيق اختراقات في الطائفة الشيعــــــــية ‏والمارونية (وكلام المطران بشارة الراعي حول «أسلمة» لبنان يذكّر بكــــــــــلام تردّد من قبل في الأوساط ‏المسيحية إبان صعود قيادة الحريــــــــري، برعاية تلك الوصاية البغيضة نفسها ــ لكن قبل أن تنقشع ‏الرؤية). وتظهر استطلاعات الرأي في لبنان أنّ الطائفة الشيعية والطائفة الدرزية هما أكثر الطـــــــــوائف ‏انسجاماً وتماسكاً في الرأي السياسي، وهذا ما يعزّز من واقع التماسك الطائفي الذي يسم كل الطوائف ‏في لبنان حيث يشكل الانتماء الطائفي عاملاً مقرراً لصنع الموقف السياسي، وإن كانت الطوائف ‏السياسية متقلّبة (مثل تقلّب زعاماتها التي لا تعتنق من ثوابت إلا ما يديم تلك الزعامات). والطائفة ‏السنية كانت تتمتّع بالتنوّع في الوجهات السياسية قبل بروز ظاهرة الحريري التي لا تسمح بتنافس ‏سياسي داخل الطائفة. أما الخلاف السياسي المسيحي، أو الثنائية، فهي كانت عنصر شقاق وفرقة في ‏تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية.‏<br />
ورغبة في تشكيل مشروعية سياسية متعددة الطوائف، عمل فريق السلالة الحاكمة على جذب فريق ‏شيعي معارض لحزب الله ومنضوٍ (ذيلياً كما هي الحال مع كل حلفاء آل الحريري) في إطار 14 ‏آذار. طبعاً، هناك عدد من الشيعة في 14 آذار، من غازي يوسف (الذي قدم اعتذارات محمومة للسيد ‏محمد حسين فضل الله بسبب تقديمه درع الأرز لجون بولتون)&#8230; إلى باسم السبع. ثم هناك مفتي ‏صور الذي لا يهدأ، والذي له اليوم في كل أعراس 14 آذار وأتراحها قرص، وهو يظهر حتى في ‏المناسبات الاجتماعية لفريق 14 آذار، مثل توقيع كتاب مي الشدياق. والرجل تنقّل بين حزب الله ‏وحركة أمل قبل أن يكتشف «حب الحياة» في فريق 14 آذار. ‏<br />
لكن مبادرة باسم السبع إلى تأليف فريق شيعي حريري ليست جديدة، إذ إن فريــق الســـــــــــلالة الحاكمة ‏سارع بعد اغتيال الحريري الى إنشاء فريـــــــــــق شيعي تحت قيادة الشيخ محمد حســــــــــــن الأمين والمعلّــــــــــق ‏نصير الأسعد (واحد من كثيرين في منظمة العمل الشيوعي الذين انتقلوا من الشيوعية الى الحريرية ــ ‏عن قناعة مبدئية طبعاً). لكن التجربة تلك لم يُكتب لها النجــــــــاح، إذ إن الأمين اكتشف على الهواء في ‏برنامـــــــــــــــــج «خلّيك (مع الحريري) بالبيت» أنه يُستدرج الى اتخـــــــــاذ مواقـــــــــــف ضد المقاومة، فأهان المضيف، ‏وأنهى التجربة تلك. وهو عــــــــــــقــــــــــد اجتماعاً تنسيقيّاً أخيراً مع مسؤول حزب الله في الجنوب. كان يمكن نصير الأسعد أن يستمر في التجربة وحده لو اكتشفت فيه الأكثرية الشعبية كاريزما أو شيئاً من ‏السحر الجماهيري (ويملك من هذا السحــــــــــر وبوفرة، مصطفى علوش على سبيل المثال).‏<br />
ثم اختـــرعت مؤسسة الحريري السياسية الشيخ محمد الحـــــــــــــاج حسن الذي يقود تياره الشيعـــــــــــــي ‏من&#8230; النبعة ــ لكن قد يكون الرجل لم يسمع بعد بتهجير الشيعة من النبعة.<br />
وهو يعد، باستمرار، ‏بمفاجئات وحفلات قسم يمين، ولكنه دائماً ينسى وعوده. لعل رجمه من قبل أهل منطقته عثّر خطاه، ‏ما دفعه إلى اعتزال العمل السياسي. ‏لكن من المضحك أن الفريق الحاكم يظن أن تنصيبه لفئة شيعية على الشيعة سيحظى بالمطلوب، مع ‏أن العكس هو الصحيح. ومحاولات الفريق الحاكم لتنصيب بدائل من حزب الله وأمل تبدو مضحكة ‏أحياناً، وخصوصاً عندما تعمد وسائل الإعلام الحريري والقواتي الى إبراز أحمد الأسعد أو منى ‏فياض وكأن هذا الإبراز المصطنع كفيل بالتأثير في الرأي العام الشيعي (وهذه المحاولات، مع ‏مشابهة أيضاً في الفكر العنصري الموجِّه، تذكّر بأسلوب اليمين الأميركي في إبراز أصوات سوداء ‏يمينية، مع أنها بعيدة كل البعد عن رأي وتوجّهات السود في البلاد). وأصرّت وسائل الإعلام ‏الحريرية أثناء حرب إسرائيل على لبنان على إعطاء منبر وافر لأصوات شيعية معارضة للمقاومة. ‏لكن لا يبدو أن الأسلوب قد نجح، ولا دليل إلى اليوم أن حناجر جماهير الشيعة تهتف بحياة نصير ‏الأسعد أو أحمد الأسعد أو علي صبري حمادة (الذي أنشأ ميليشيا نسور البقاع أثناء الحرب الأهلية ‏لكن مصيرها كان شبيهاً بمصير «لواء تنورين» ــ هل من يذكر؟).‏<br />
ثم طلع علينا أخيراً باسم السبع بمبادرة حريرية جديدة، ولم نكن نعلم أن السبع موجود في لبنان، ‏فأهلاً به في وطنه الثاني، لبنان (طائرة الحريري الخاصة هي الوطن الأوّل في هذه الحالة). ويُذكر ‏لباسم السبع أنه رافق سعد الحريري في جولاته المهمة أثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان، بما فيها ‏رحلة الى قبرص طلب فيها الحريري، وفقاً لجريدة المستقبل آنذاك، مساعدة الرئيس القبرصي لوقف ‏النار في لبنان.<br />
وتدخل تلك الجولات في إطار السياسة الدفاعية للبنان التي ينتهجها فريق 14 آذار ‏بديلاً من المقاومة. فنعم الاستراتيجية الدفاعية في هذه الحالة. ‏<br />
والطريف في هذه المبادرة الجدية من النائب السبع أنها جمعت كل من له خلاف مع حزب الله أو ‏أمل، ولأسباب تبدو متناقضة، على أن يكون شيعياً (على طريقة الطائفية المعادية للطائفية).<br />
فهناك ‏في هذا التيار الجديد والعفوي (إذ إنه التقى هكذا عفواً من دون ترتيب حريري مسبق) فريق ورثة ‏الإقطاع الشيعي من عائلات حمادة والأسعد والخليل. ويستحق النائب السبع (الذي، للأمانة، أفرط ‏في البلاغة في مديح النظام السوري عندما شغل منصب وزير الإعلام في عزّ عهد الوصاية) الثناء ‏لأنه قدر على جمع عائلات متنازعة منذ عقود وإن كانت متصاهرة، وإن كنا نتمنى له أن ينجح في ‏جمع كامل الأسعد مع ابنه. من يدري؟ قد ينجح في المبادرة الشيعية الحريرية المقبلة. ‏<br />
وممثّلو عائلات الإقطاع السياسي يذكّرون بورثة السلالات الملكية المنتشرة في المنافي (من عرب ‏ومن غربيين). فهم حاقدون على تقدّم الزمن ويكنّون ضغينة واضحة لتقدّم أمر الشعوب. من هنا، ‏نفهم كلام علي صبري حمادة ووصفه لأهل الضاحية بـ«الغوغاء» (وهو الوصف نفسه الذي أطلقه ‏صدام حسين على من عارضه في العراق). فالسيّد حمادة، مثله مثل أبناء عائلات الإقطاع، ينشأون ‏ويتربّون على فكرة التسلّم الأوتوماتيكي للزعامة. لا يتوقع الإقطاع تغيّر أهواء الناس، ورفضها ‏للإقطاع. لهذا، كان أحمد الأسعد (الجدّ) يقول إنه لا حاجة إلى المدارس في الجنوب طالما ابنه ‏النجيب كامل يتلقى علومه.‏<br />
لكن اللقاء المذكور (الــــــــــذي اختار عنوان دعم الجيش، وكأن الموضوع هو مدار اختلاف بين اللبنانيين ‏في الوقت الذي يزايد فيه الجميع على بعضهم في لبنان في دعمهم للجيش، حتى إن قيادة منظمة التحرير ‏في لبنان هي الأخرى تهلّل للجيش في دكّه مخيم نهر البارد) ضمّ أيضاً جمعاً من أفراد كانوا ‏يعرّفون أنفســــــــــــــهم، كما ظننّا، بأنهم «علمانيون» أو ليبراليون. لكن المصلحة اقتضت أن يتأطّروا داخل ‏جمعية طائفية، وذلك لمحاربة حزب الله الذي يقولون عنه إنه طائفي (هل هناك زعيم واحد أو حزب ‏واحد غير طائفي في لبنان، باستثناء الشيخ محمد علي الجوزو الذي توقف عن إرشاد خليّة حمد، و‏توقف عن المطالبة بالحكم الإسلامي في لبنان وعن إهانة المسيحيين ــ الغشاوة تلك أيضاً أُزيلت عن ‏عينيه كما يبدو)، أي أن هؤلاء الليبراليين ارتأوا محاربة طائفية حزب الله بطائفية أخرى، حضارية ‏طبعاً. فكـــــل فريق 14 آذار هو حضــــــــاري وراقٍ ــ إيّــاك أن تنسى. ‏<br />
لم يخرج علي صبري حمادي عن البروتوكول المرسوم. فوصفه لأهل الضاحية (الذين قالت عنهم ‏جريدة النهار في منتصف السبعينيات بأنهم يتكاثرون «كالفئران») هو من صلب عقيدة أهل 14 آذار ‏الذين (واللواتي حتى لا ننسى غنوة جلول ونائلة معوض) يعتبرون عدم لحاق الشيعة بشعاراتهم ‏المُحبّة للحياة دليل تخلّف وهمجية (عبّر عنها بصراحة بعض قادة الحركة المذكورة).<br />
لكن الفريق ‏الليبرالي واضح في التعبير عن أسباب اختلافه مع حزب الله، لكنه أقل وضوحاً في شرح أسباب ‏تلاقيه مع فريق الحريري. هل أصبح وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع ليبراليين علمانيين ‏من دون أن ندري؟<br />
المشكلة طبعاً تكمن في قوقعة الطوائف. والتحريض الطائفي والمذهبي يفعل فعله، ويؤدي الى ترسيخ ‏الحدود النفسية وحتى الجغرافية بين الطوائف. وقد يأتي يوم يطالب فيه الفريق الحاكم بجدار فصل ‏عنصري حتى تبقى الضاحية الجنوبية بعيدة عمّن يحب الحياة في لبنان، وعمّن يعتبر مقاومة ‏الاحتلال الإسرائيلي عملاً غير حضاري.‏</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://angryarab.net/2007/07/03/%d9%85%d9%86-%d9%8a%d9%86%d9%82%d8%b0-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%b3%d8%b9%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%9f%e2%80%8e/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
